تتناول رؤية المحلل السياسي التركي البروفيسور سدات لاتشينر تحولاً جذرياً في المشهد المالي العالمي، حيث لم يعد الدولار الأمريكي مجرد وحدة نقدية، بل تحول إلى أداة جيوسياسية فعالة تستخدمها واشنطن لفرض إرادتها على الساحة الدولية. وفيما يلي عرض تفصيلي لهذا التحول وتداعياته بناءً على أطروحاته:
عسكرة الدولار والسيادة الوطنية
يرى البروفيسور سدات لاتشينر أن الولايات المتحدة نجحت في “عسكرة” عملتها الوطنية، محولةً النظام المالي العالمي إلى ساحة لتأديب الدول التي تخرج عن مسار مصالحها. ويشير إلى أن قدرة واشنطن على تجميد أصول دول سيادية، كما هو الحال مع إيران، يضع هذه الدول في موقف التوسل لاستعادة أموالها الخاصة مقابل تنازلات سياسية أو نووية. هذا الاستخدام المفرط للنفوذ المالي لم يقتصر على الخصوم، بل امتد ليشمل تهديد المؤسسات المالية في دول حليفة بالعقوبات إذا لم تلتزم بالإملاءات الأمريكية، مما خلق حالة من التململ العالمي تدفع نحو البحث عن بدائل ناجعة.
النموذج الإيراني: ريادة الالتفاف المالي
وفقاً لتحليلات لاتشينر، مثلت إيران المختبر الأول لكسر الهيمنة الدولارية؛ فعلى الرغم من العقوبات المشددة، تمكنت طهران من تحقيق عوائد نفطية تجاوزت ثلاثة وأربعين مليار دولار في عام ٢٠٢٤، نُفذ معظمها باستخدام اليوان الصيني. ويوضح البروفيسور أن هذا النجاح استند إلى بناء منظومة “ظل” مالية معقدة، تشمل شركات واجهة في هونغ كونغ ومكاتب صرافة سرية تتيح التحويل بين العملات بعيداً عن أعين الرقابة الأمريكية. كما يبرز دور “أسطول الظل” الإيراني، الذي يستخدم تقنيات التمويه وتغيير الأعلام والوثائق لإيصال النفط إلى المصافي الصينية، التي أصبحت المتنفس الاقتصادي الرئيس لطهران.
المعمار المالي الصيني البديل
يشير لاتشينر إلى أن الصين لم تكتفِ بالمشاهدة، بل شرعت منذ الأزمة المالية عام ٢٠٠٨ في بناء بنية تحتية مالية موازية لنظام “سويفت” العالمي. ويعد نظام الأداءات البنكية العابر للحدود (CIPS)، الذي أطلقته بكين عام ٢٠١٥، الركيزة الأساسية لهذا التوجه؛ إذ نما حجم معاملاته اليومية ليصل إلى مئة وخمسة عشر مليار دولار مؤخراً. بالإضافة إلى ذلك، يبرز مشروع “الجسر” (mBridge) الذي يسهل تداول العملات الرقمية بين البنوك المركزية مباشرة دون المرور بالوساطة الأمريكية، مما يطمس قدرة الاستخبارات المالية بواشنطن على تتبع التدفقات النقدية الدولية.
التحولات الكبرى في الساحة الروسية والخليجية
يرى البروفيسور لاتشينر أن الحرب الأوكرانية كانت نقطة تحول حاسمة دفعت روسيا نحو ارتماءة كاملة في أحضان اليوان، حيث انتقلت حصة العملة الصينية في التجارة الروسية الصينية من مستويات شبه معدومة قبل الحرب إلى الهيمنة شبه الكاملة حالياً. والأكثر إثارة للقلق بالنسبة لواشنطن هو توجه حلفاء إقليميين مثل الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية نحو تنويع خياراتهم؛ فدخول هذه الدول في مشروعات العملات الرقمية المشتركة مع الصين يعكس إدراكاً خليجياً لخطورة وضع “البيض كله في سلة واحدة”، خاصة بعد الاضطرابات التي شهدتها التدفقات الدولارية نتيجة التوترات الإقليمية وإغلاق مضيق هرمز.
استراتيجية “الصبر الاستراتيجي” ومخاطر الصدام
يحلل لاتشينر الموقف الصيني بكونه يتسم بالحذر الشديد؛ فبكين لا تسعى لإزاحة الدولار فجأة، خوفاً من فقدان السيطرة على قيمة عملتها أو التسبب في اضطرابات اقتصادية داخلية. كما يدرك الصينيون أن تهديد عرش الدولار بشكل مباشر قد يدفع الولايات المتحدة نحو خيارات عسكرية انتحارية، بما في ذلك نشوب حرب عالمية، لأن واشنطن ترى في سقوط الدولار نهاية لمكانتها كقوة عظمى وتحولها إلى “دولة عادية”. لذلك، تتبنى الصين نظاماً هجيناً يزاوج بين استخدام الدولار وتطوير اليوان، بانتظار لحظة نضوج النظام المتعدد الأقطاب.
تكتل “بريكس” والبحث عن عدالة نقدية
في ختام تحليله، يرى البروفيسور أن توسع تكتل “بريكس” ليشمل قوى اقتصادية وطاقية كبرى هو تعبير عن “نادي المتضررين من السياسات الأمريكية”. هذا التكتل يسعى لتأسيس نظام لا يخدم مصلحة دولة واحدة فقط، بل يعمل كعملة عالمية حقيقية. ومع تزايد قبول اليوان في احتياطيات البنوك المركزية وتجاوزه لليورو كثاني أهم عملة في تمويل التجارة الدولية، يبدو أن هيمنة القطب الواحد مالياً بدأت تتآكل فعلياً لصالح واقع نقدي جديد يتسم بالتعددية والتنافس.
خلاصة
يؤكد البروفيسور سدات لاتشينر أن “عسكرة” الدولار دفعت العالم قسراً نحو بناء أنظمة مالية موازية تقودها الصين، مما جعل هيمنة العملة الأمريكية تواجه تحدياً وجودياً غير مسبوق ينذر بنشوء نظام نقدي متعدد الأقطاب يتجاوز القيود السياسية لواشنطن.

