في مشهد سياسي يعكس ذروة الاستقطاب في تركيا، وجه أكرم إمام أوغلو، رئيس بلدية إسطنبول الكبرى والمرشح الرئاسي لمجموعة حزب الشعب الجمهوري بقيادة أوزغور أوزيل، رسالة مدوية من محبسه الذي يقبع فيه منذ الثالث والعشرين من مارس ٢٠٢٥.
الرسالة التي بُثت عبر مقطع فيديو خاطبت فئة الشباب، وحملت تشريحاً عميقاً لمفهوم “عقل الدولة” الذي تتبناه السلطة الحالية كغطاء لممارساتها السياسية والقضائية.
تزييف مفهوم عقل الدولة وتسويق الاستبداد
يرى إمام أوغلو أن السلطة الحالية تمارس عملية “تسويق” ممنهجة للخروقات القانونية تحت مسمى “عقل الدولة”، معتبراً أن ما يحدث ليس تعبيراً عن حكمة مؤسسية، بل هو محاولة بائسة لحماية البقاء السياسي عبر استخدام القوة وأدوات القضاء. ويؤكد أن هذا التوجه يمثل إهانة لتاريخ الدولة التركية الممتد لألف عام ولذكاء الشعب، حيث يتم اختزال إرادة ٨٦ مليون مواطن في “عقل فردي” يسعى لإخضاع المجتمع لإملاءات غير قانونية.
القضاء كأداة في سيناريوهات القصر
يرسم إمام أوغلو ملامح “سيناريو” يُكتب في أروقة القصر، حيث يتم توزيع الأدوار على “دمى” وظيفتها تنفيذ عمليات تهدف إلى تقويض المعارضة الديمقراطية. ويشير بوضوح إلى أن التطورات التي شهدتها البلاد في ١٩ مارس ٢٠٢٥ و٢١ مايو ٢٠٢٦ ليست أحداثاً منفصلة، بل هي حلقات في “سلسلة تدخلات سياسية” ومنهجية تهدف إلى تدمير السيادة الشعبية والإرادة الحرة. إن استخدام القضاء كسلاح ضد الخصوم السياسيين هو، في نظر إمام أوغلو، محاولة لإنهاء التعددية تحت ذريعة حماية الدولة.
العدالة هي الجوهر الحقيقي لعقل الدولة
انطلاقاً من الشعار التاريخي “العدل أساس الملك”، يجادل إمام أوغلو بأن العقل الحقيقي للدولة يكمن في تحقيق العدالة. ويحذر من أن الدولة التي تنفصل عن ضمير الشعب ومصالح الجمهور وتتخلى عن سيادة القانون، تفقد معناها وتتحول إلى أداة تخدم مصالح ضيقة. ويؤكد أن رسالته هذه ليست مجرد “صرخة سياسي” سُلب حريته، بل هي تحذير تاريخي من خطر انهيار النظام العام للدولة وفقدان “البركة” التي لا تأتي إلا بالعدل.
التداعيات الاقتصادية والاجتماعية لغياب القانون
يربط الخطاب مباشرة بين غياب العدالة والأزمات المعيشية، معتبراً أن “عقل الدولة” المزعوم الذي يمارسه النظام أدى في الواقع إلى تفشي الفقر، والبطالة، وضياع آمال الشباب. ويرى أن السلطة التي تستمد شرعيتها من الخارج أو تضحي بالديمقراطية من أجل الحفاظ على الكرسي لا يمكن أن تمثل عقل الدولة، بل تعبر عن “تسمم بالقوة” لدى فئة تعتبر نفسها مالكة للبلاد.
رؤية البديل: المصالحة بين الدولة والإرادة الشعبية
يطرح إمام أوغلو رؤية حزبه كبديل يعيد دمج تقاليد الدولة والجمهورية مع مبادئ الديمقراطية، والاستقلال، والتنمية. ويشدد على أن المخرج الوحيد للأزمة يتمثل في كف الدولة عن صراعها مع الشعب، والعمل على ملاقاة عقلها الاستراتيجي مع ضمير وإرادة المواطنين، وهو السبيل الوحيد لضمان السلام الاجتماعي والأمن القومي.
خلاصة
يؤكد إمام أوغلو أن “عقل الدولة” الحقيقي يتجسد في العدالة والإرادة الشعبية، معتبراً أن سياسات القمع الحالية هي “لا عقلانية” تهدد بقاء الدولة ومستقبل مواطنيها.

