في تطور قضائي لافت، أبطلت محكمة التمييز العليا في تركيا الأحكام الصادرة بحق الصحفي هدايت كاراجا وعدد من مسؤولي الشرطة السابقين، في قضية مثيرة معروفة إعلاميًا بـ”استهداف مجموعة دينية” مرتبطة بتنظيم القاعدة، وذلك بسبب خروقات إجرائية أثّرت على حق المتهمين في الدفاع، دون أن يعني ذلك تبرئتهم من التهم المنسوبة إليهم.
خلفية القضية ومسارها القضائي
تعود جذور القضية إلى حملة اعتقالات جرت في ديسمبر 2014، طالت صحفيين وضباط شرطة، على خلفية اتهامات بتدبير تحقيق ملفق ضد جماعة تعرف باسم “تحشية” ذات توجه راديكالي. وقد استند الادعاء إلى فرضية وجود تنسيق مسبق لاستهداف الجماعة عبر أدوات إعلامية وأمنية.
وفي نوفمبر 2017، صدر حكم بسجن هدايت كاراجا، المدير السابق لقناة “سمانيولو” التي كانت تتبع حركة الخدمة قبل إغلاقها، لمدة 31 عامًا، بعد إدانته بالانتماء إلى “تنظيم إرهابي”، في إشارة إلى حركة كولن، إلى جانب اتهامه بالتشهير بجماعة “تحشية” المرتبطة بتنظيم القاعدة. كما صدرت أحكام بالسجن لفترات طويلة بحق عدد من كبار مسؤولي الشرطة.
حيثيات قرار محكمة التمييز
أوضحت المحكمة العليا أن قرارها بإلغاء الأحكام لا يستند إلى تقييم موضوعي للبراءة أو الإدانة، بل إلى خلل جوهري في إجراءات المحاكمة. فقد تبيّن أن المحكمة الابتدائية لم تلتزم بالأصول القانونية خلال جلسة حاسمة عُقدت في يوليو 2021، حيث أصدرت حكمها دون الحصول على الرأي النهائي للنيابة العامة، ودون منح الدفاع الفرصة الكافية لتقديم مرافعاته الختامية.
كما اعتبرت المحكمة أن عدم منح المتهمين حق الإدلاء بكلماتهم الأخيرة قبل صدور الحكم يشكّل انتهاكًا صريحًا لضمانات المحاكمة العادلة.
إعادة المحاكمة: السيناريوهات المحتملة
بموجب قرار النقض، أُعيد الملف إلى المحكمة الأدنى لإعادة النظر فيه وفق الأصول القانونية. ومن المنتظر أن تشمل المحاكمة الجديدة عرض المرافعة النهائية للادعاء، وتمكين الدفاع من الرد، قبل إصدار حكم جديد.
ولا يُستبعد أن تعيد المحكمة تثبيت الأحكام السابقة، أو تصدر أحكامًا مخففة، أو تعيد تقييم القضية بالكامل استنادًا إلى الملف ذاته.
أبعاد الاتهام: الإعلام والأمن في دائرة الجدل
تركّزت الاتهامات على مزاعم بأن قناة “سمانيولو” ذات صلة بحركة الخدمة بثّت محتوى دراميًا يتضمن إشارات سلبية لجماعة “تحشية”، ما اعتُبر تمهيدًا لحملة أمنية لاحقة استهدفت أفرادها. كما ربط الادعاء بين هذه الأحداث وتصريحات أدلى بها الراحل فتح الله كولن عام 2009، حذّر فيها من جماعة “تحشية”، مشيرا إلى أنها قد تم تأسيسها من قبل “بؤر عميقة” داخل الدولة من أجل رَدْكَلة جماعات إسلامية معتدلة، كحركة الخدمة، تمهيدا لخلق ارتباط بين الجماعتين،
واتهام الأخيرة بالإرهاب، ثم اتخاذ قرار بحظرها.
في المقابل، استندت تقارير سابقة صادرة عن أجهزة الاستخبارات التركية، بما فيها جهاز الاستخبارات الوطنية، إلى تصنيف “تحشية” كتنظيم مرتبط بـ”القاعدة”، خاصة في ظل تصريحات زعيمها محمد دوغان الذي أعرب عن إعجابه بأسامة بن لادن خلال مقابلة تلفزيونية على قناة CNN Türk عام 2009.
مواقف متباينة: بين النفي والتسييس
نفى المتهمون جميع التهم الموجهة إليهم، بينما اعتبر منتقدون أن القضية ذات طابع سياسي، وتندرج ضمن حملة أوسع تستهدف المعارضين أو المرتبطين بحركة كولن.
وتأتي هذه القضية ضمن سياق أوسع من الإجراءات التي اتخذتها الحكومة التركية ضد الحركة، والتي تصاعدت بشكل ملحوظ عقب محاولة الانقلاب في تركيا 2016، حيث تتهم السلطات الحركة بتدبيرها، وهو ما تنفيه الأخيرة بشكل قاطع.
البعد الحقوقي: حكم المحكمة الأوروبية
في موازاة المسار القضائي الداخلي، لجأ هدايت كاراجا إلى المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان عام 2015، التي أصدرت حكمًا في يونيو 2023 يقضي بأن احتجازه ينتهك عدة مواد من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان.
وأشارت المحكمة إلى غياب الضمانات الكافية لاستقلالية القضاء، وعدم كفاية المبررات القانونية لاحتجازه، إضافة إلى طول مدة الحبس الاحتياطي. وألزمت المحكمة تركيا بدفع تعويض قدره 12 ألف يورو عن الأضرار المعنوية، و6 آلاف يورو لتغطية التكاليف.
إغلاق المؤسسات الإعلامية وتراجع حرية الصحافة
شهد عام 2016 إغلاق مجموعة “سمانيولو” الإعلامية بقرار من حكومة حزب العدالة والتنمية، ضمن حملة واسعة استهدفت مؤسسات يُشتبه بارتباطها بحركة كولن.
وتعكس هذه القضية واقعًا أوسع يتعلق بحرية الصحافة في تركيا، التي احتلت المرتبة 159 من أصل 180 دولة في مؤشر حرية الصحافة لعام 2025 الصادر عن منظمة مراسلون بلا حدود، ما يضعها ضمن الدول الأكثر تقييدًا للعمل الصحفي.
يكشف قرار محكمة التمييز عن توتر مستمر بين متطلبات العدالة الإجرائية والاعتبارات السياسية في النظام القضائي التركي. فرغم أن النقض جاء لأسباب شكلية، إلا أنه يسلط الضوء على هشاشة بعض المحاكمات التي جرت في سياق أمني وسياسي مضطرب.
كما يعكس استمرار التباين بين القضاء التركي والمؤسسات الأوروبية في تقييم معايير المحاكمة العادلة، وهو ما قد يؤثر على صورة تركيا الدولية، خاصة في ملفات حقوق الإنسان وسيادة القانون.

