بقلم: سليم نيازي أوغلو
أكد وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، في مقابلة مع وكالة «بلومبرغ»، استعداد القاهرة للاستجابة لطلبات الدعم التي قد تتقدم بها الرياض، مشيرًا إلى أن هذا الدعم قد يشمل الجانب العسكري. وشدد عبد العاطي على أن مصر لا تنظر إلى أمن المملكة العربية السعودية بمعزل عن أمنها القومي وأمن العالم العربي. كما أكدت القاهرة رفضها استهداف المدنيين والبنية التحتية الحيوية والمنشآت النفطية.
ومع تصاعد الهجمات التي استهدفت السعودية خلال شهر أكتوبر، ازدادت أهمية هذا الموقف في ظل التحديات الأمنية التي تواجه المنطقة.
وفي تطور ذي صلة، أفادت تقارير بأن مجلس الأمن القومي المصري عقد اجتماعًا أمس برئاسة الرئيس عبد الفتاح السيسي، لبحث خيارات دعم المملكة العربية السعودية. كما طُرح احتمال تنفيذ مهمة عسكرية خارج الحدود، على أن يخضع أي تحرك من هذا النوع للإجراءات الدستورية المعمول بها.
ولا تعني هذه التصريحات أن مصر اتخذت قرارًا بالمشاركة المباشرة في حرب، بل تشير إلى أن القاهرة تُبقي خيارات الدعم المختلفة مطروحة، وفقًا لطبيعة التهديدات الإقليمية والطلبات التي قد تتقدم بها الرياض.
الأمن القومي المصري
تتجه الرؤية المصرية للأمن القومي نحو إعادة صياغة أولوياتها في ضوء التحولات المتسارعة في الشرق الأوسط، وتصاعد التوترات في الخليج، وتزايد التهديدات التي تواجه طرق التجارة البحرية. فلم يعد مفهوم الأمن بالنسبة إلى القاهرة مقتصرًا على حماية الحدود، بل بات يشمل أمن البحر الأحمر، واستقرار الملاحة في قناة السويس، وتعزيز الشراكات الاستراتيجية مع دول الخليج، وضمان تدفق التجارة والطاقة.
في هذا السياق، تكتسب العلاقات مع المملكة العربية السعودية وسائر دول الخليج أهمية تتجاوز التعاون الاقتصادي، لتشمل أبعادًا سياسية وأمنية متزايدة. ومع ذلك، لا توجد حتى الآن مؤشرات كافية للجزم بأن هذا التقارب سيتحول إلى تحالف عسكري مباشر. فالأولوية المصرية تتمثل في احتواء الأزمات الإقليمية ومنع امتداد تداعياتها إلى المصالح الاقتصادية والاستراتيجية للبلاد.
أمن الخليج في صلب الحسابات المصرية
تستند العلاقات المصرية الخليجية إلى روابط تاريخية ومصالح استراتيجية مشتركة، في مقدمتها الحفاظ على الاستقرار الإقليمي. وتكتسب الشراكة مع السعودية أهمية خاصة بالنظر إلى دور البلدين في التوازنات العربية وإدارة الأزمات الإقليمية.
فأي مواجهة واسعة في الخليج قد تتجاوز آثارها حدود المنطقة، لتطال أسواق الطاقة وحركة التجارة البحرية والاستثمارات والتدفقات المالية. ومن ثم، لا تنظر القاهرة إلى اضطراب الخليج باعتباره أزمة خارجية فحسب، بل بوصفه تهديدًا محتملًا لأمنها الاقتصادي واستقرارها الداخلي.
كما أن ارتباط الاقتصاد المصري بالاستثمارات الخليجية والدعم المالي والتبادل التجاري يعزز دوافع القاهرة للحفاظ على علاقات وثيقة مع دول المنطقة. غير أن تقاطع المصالح لا يعني بالضرورة تطابق المواقف في جميع الملفات. فقد تختلف أولويات مصر والسعودية وتقديراتهما للمخاطر وسبل التعامل مع الأزمات، وهو ما يجعل تقييم طبيعة العلاقة مرهونًا بالاتفاقات الفعلية والسياسات المطبقة، لا بالتصريحات السياسية وحدها.
البحر الأحمر وقناة السويس: شريانان للأمن القومي
يمثل البحر الأحمر أحد أهم المحاور الجيوسياسية في الاستراتيجية المصرية، فيما تشكل قناة السويس ركيزة اقتصادية واستراتيجية تمنح القاهرة موقعًا مؤثرًا في حركة التجارة العالمية بين آسيا وأوروبا.
وأي تصعيد عسكري في المنطقة، أو هجمات تستهدف السفن التجارية، أو اضطرابات تدفع شركات الشحن إلى تغيير مساراتها، قد ينعكس مباشرة على إيرادات القناة والاقتصاد المصري. لذلك، تتعامل القاهرة مع أمن البحر الأحمر باعتباره قضية تتداخل فيها الاعتبارات العسكرية والاقتصادية والتجارية.
ومن هذا المنطلق، تزداد أهمية تطوير القدرات البحرية وتعزيز التنسيق الأمني مع الشركاء الإقليميين. لكن طبيعة هذا التعاون تظل مرتبطة بحجم التهديدات والظروف السياسية ومصالح الأطراف المعنية. فالتواصل الأمني أو التنسيق السياسي لا يعني بالضرورة وجود استعداد لشن عمليات عسكرية مشتركة.
التعاون العسكري واحتمالات التدخل
يشكل تعميق التعاون الأمني بين مصر والسعودية تطورًا قد يؤثر في موازين القوى الإقليمية، خصوصًا في مجالات حماية الملاحة البحرية وتبادل المعلومات الاستخباراتية والتنسيق الدفاعي واحتواء الأزمات.
لكن الحديث عن تدخل عسكري مصري مباشر في أي أزمة خليجية يحتاج إلى أدلة ملموسة. فالقرارات العسكرية لا تُتخذ استنادًا إلى الاعتبارات السياسية وحدها، بل تتأثر أيضًا بالتكاليف الاقتصادية والمخاطر العملياتية وطبيعة الصراع وتداعياته المحتملة.
وتسعى القاهرة، في هذا الإطار، إلى تحقيق توازن دقيق بين دعم شركائها والحفاظ على مصالحها الوطنية، من دون الانزلاق إلى مواجهات طويلة ومكلفة. لذلك، قد تتيح الدبلوماسية والتنسيق الدفاعي وتعزيز الردع خيارات أكثر مرونة من التدخل العسكري المباشر.
كما أن توثيق العلاقات مع دول الخليج لا يعني بالضرورة استعداد مصر لمواجهة جميع الأطراف الإقليمية المتنافسة. فالقاهرة مطالبة بموازنة التزاماتها السياسية مع حسابات الأمن القومي والقدرات الاقتصادية، وهو ما يجعل خياراتها مرتبطة بتقدير دقيق للمكاسب والمخاطر.
توازنات إقليمية متغيرة ودور مصري متعدد الأبعاد
لا تتشكل البيئة الأمنية في الشرق الأوسط بفعل التنافس بين الدول وحده، بل تتأثر أيضًا بنشاط الجماعات المسلحة، خاصة الخاضعة للنفوذ الإيراني، والتهديدات التي تواجه الممرات البحرية، وسياسات القوى الدولية. وتفرض هذه التعقيدات على مصر تبني مقاربة متعددة الأبعاد لحماية مصالحها.
وتشمل الأولويات المصرية الحد من الهشاشة الاقتصادية، وحماية طرق التجارة الاستراتيجية، ومنع انتقال الأزمات الإقليمية إلى الداخل. ويشكل التعاون مع السعودية ودول الخليج إحدى الأدوات المهمة لتحقيق هذه الأهداف، لكنه يظل محكومًا بقدرات مصر الاقتصادية والعسكرية، وبالتحديات الأمنية الأخرى التي تواجهها.
وعليه، لا يمكن قياس الدور المصري في المنطقة من خلال القوة العسكرية وحدها. فالدبلوماسية والنفوذ السياسي والعلاقات الاقتصادية والشراكات الأمنية تمثل عناصر أساسية في قدرة القاهرة على التأثير في مسارات الأزمات وصياغة التوازنات الإقليمية.
الردع والتوازن بدلًا من الانخراط في المواجهات
تكشف التحولات في الرؤية المصرية للأمن القومي عن ارتباط وثيق بين أمن الخليج واستقرار البحر الأحمر والأهمية الاستراتيجية لقناة السويس. ويعكس التقارب مع السعودية سعي القاهرة إلى تعزيز الاستقرار الإقليمي وحماية مصالحها، لكنه لا يعني بالضرورة الانتقال إلى مرحلة التدخل العسكري المباشر.
وفي المرحلة المقبلة، يُرجح أن تواصل مصر تعزيز التنسيق الدبلوماسي والتعاون الدفاعي، مع الحرص على الحد من مخاطر الانخراط في صراعات مفتوحة. فهدف القاهرة الأساسي هو الحفاظ على دورها الإقليمي وتأثيرها في معادلات الأمن، من دون التضحية باستقرارها الاقتصادي أو تقليص هامش حركتها الاستراتيجية.
وبهذا المعنى، لا تقوم الاستراتيجية المصرية على الاختيار بين التحالفات والتدخل العسكري فحسب، بل على إدارة المصالح والمخاطر بمرونة، وتوظيف الأدوات السياسية والاقتصادية والأمنية بما يخدم أولويات الدولة على المدى الطويل.

