سلط حكم جديد من ستراسبورغ الضوء على أوجه القصور في قرارات الحبس الاحتياطي بالمحاكم التركية، وأعاد إلى الواجهة التداعيات القضائية لحملة الملاحقات التي أعقبت محاولة الانقلاب عام 2016، في ظل استمرار محاكمة عشرات الآلاف بتهم الارتباط بحركة كولن.
إدانة أوروبية لغياب المبررات القانونية الكافية للاحتجاز
قضت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، ومقرها مدينة ستراسبورغ الفرنسية، بأن السلطات القضائية التركية انتهكت حقوق 26 شخصًا احتُجزوا احتياطيًا على خلفية اتهامات بالانتماء إلى حركة الخدمة، معتبرة أن المحاكم المحلية لم تقدم أسبابًا محددة وكافية لتبرير استمرار سلب حريتهم خلال إجراءات المحاكمة.
وصدر الحكم بالإجماع بعد دراسة الشكاوى المقدمة من المتضررين الذين وُجهت إليهم اتهامات بالعضوية في تنظيم إرهابي مسلح، وهي التهمة التي استخدمتها السلطات التركية على نطاق واسع في الملاحقات المرتبطة بمحاولة الانقلاب الفاشلة في يوليو/تموز 2016.
وخلصت المحكمة إلى انتهاك الفقرة الثالثة من المادة الخامسة للاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان، المتعلقة بضمانات الحرية والأمان الشخصي ووجوب تقديم مبررات قانونية كافية لاستمرار الحبس الاحتياطي.
وأكد القضاة الأوروبيون أن قرارات المحاكم التركية اعتمدت على تعليلات عامة ومتكررة، دون إجراء تقييم فردي للظروف الخاصة بكل متهم أو توضيح الوقائع التي تجعل استمرار احتجازه ضروريًا.
وامتدت فترات الحبس الاحتياطي للمتقدمين بالشكاوى إلى 11 شهرًا في بعض الحالات. وفي حين أصدرت محاكم الدرجة الأولى لاحقًا أحكام إدانة بحق معظمهم بتهمة الانتماء إلى تنظيم إرهابي مسلح، ظلت قضايا أخرى قيد النظر أمام محاكم الاستئناف أو المحكمة الدستورية التركية.
خطورة الاتهامات لا تكفي لتبرير الحبس
استند القضاء التركي في قرارات الاحتجاز إلى طبيعة التهم وخطورتها والعقوبات المحتملة، فضلًا عن افتراض قانوني يجيز الحبس في جرائم معينة تُصنف ضمن الجرائم الخطيرة.
كما أشارت المحاكم إلى احتمال فرار المتهمين أو العبث بالأدلة، واعتبرت أن التدابير البديلة، مثل الرقابة القضائية، لن تكون كافية لضمان سير الإجراءات.
غير أن المحكمة الأوروبية رأت أن هذه المبررات لا تستوفي المعايير التي تفرضها الاتفاقية، مشددة على أن خطورة الجريمة المفترضة أو شدة العقوبة المحتملة لا تعفي السلطات من إثبات وجود أسباب واقعية وملموسة تستدعي استمرار الاحتجاز.
ويكتسب هذا التمييز أهمية قانونية؛ إذ لا ينفي الحكم بالضرورة وجود اتهامات جنائية تستوجب التحقيق، لكنه يؤكد أن مشروعية الملاحقة لا تعني تلقائيًا مشروعية الحبس الاحتياطي، الذي يتطلب تسبيبًا مستقلًا وتقييمًا متناسبًا مع ظروف كل قضية.
أدلة الارتباط بحركة كولن تحت المجهر القضائي
تضمنت الأدلة التي استندت إليها السلطات التركية إفادات شهود، والعمل في مؤسسات مرتبطة بحركة الخدمة أو الانتساب إليها، وحيازة منشورات منسوبة للحركة، وتقديم دعم مالي مزعوم لها، إضافة إلى الاشتباه باستخدام تطبيق المراسلة المشفرة «بايلوك».
وكان التطبيق متاحًا سابقًا عبر متجري «آب ستور» و«غوغل بلاي»، بينما تعتبره السلطات التركية وسيلة اتصال سرية استخدمها أعضاء الحركة للتواصل فيما بينهم.
وتثير طبيعة هذه الأدلة إشكالية قانونية تتعلق بالتمييز بين الأنشطة المدنية أو المهنية أو المالية المشروعة وبين الأفعال التي قد تشكل مشاركة فعلية في نشاط إجرامي. ويتطلب هذا التمييز، وفق مبادئ المحاكمة العادلة، فحص الأدلة في سياقها وتحديد صلتها الفردية بالمتهم، بدل الاكتفاء بالانتماء المفترض إلى شبكة اجتماعية أو مؤسسية معينة.
ومع ذلك، لم تفصل المحكمة الأوروبية في الحكم الأخير بصورة مستقلة في مسألة وجود اشتباه معقول يبرر الاعتقال ابتداءً، إذ اعتبرت أن إثبات قصور المحاكم التركية في تسبيب استمرار الحبس الاحتياطي يكفي للفصل في الشكاوى المعروضة عليها.
حالة الطوارئ لا تعفي السلطات من الضمانات الأساسية
تناول الحكم أيضًا استناد تركيا إلى المادة الخامسة عشرة من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان، التي تسمح للدول بتعليق بعض التزاماتها مؤقتًا في حالات الطوارئ العامة، ضمن شروط قانونية محددة.
وكانت أنقرة قد أعلنت حالة الطوارئ عقب محاولة الانقلاب في يوليو/تموز 2016، واستمرت حتى يوليو/تموز 2018.
لكن المحكمة خلصت إلى أن السلطات التركية لم تثبت أن التدابير الاستثنائية تبرر الإخلال بمتطلبات تسبيب الحبس الاحتياطي، خصوصًا أن المتقدمين بالشكاوى أمضوا كامل فترات احتجازهم أو معظمها بعد انتهاء حالة الطوارئ.
ويؤكد هذا الجانب من الحكم أن التدابير الأمنية الاستثنائية لا تمنح السلطات صلاحية مفتوحة لتقييد الحريات دون رقابة قضائية فعالة، وأن استمرار الاحتجاز بعد زوال الظروف الطارئة يستلزم تقييمًا قانونيًا مستقلًا يستند إلى وقائع محددة.
تعويضات مالية للمتضررين
أمرت المحكمة الأوروبية تركيا بدفع مبلغ إجمالي قدره 1500 يورو لكل واحد من المتقدمين بالشكاوى، تعويضًا عن الأضرار المعنوية والتكاليف والمصروفات المرتبطة بالقضايا.
وبذلك تبلغ القيمة الإجمالية للتعويضات المحكوم بها للمتضررين الستة والعشرين 39 ألف يورو.
القرار يكتسب أهمية بالنسبة إلى قضايا أخرى تتشابه في طريقة تسبيب الاحتجاز، ولا سيما تلك التي استندت إلى صيغ قضائية عامة دون بيان أسباب فردية واضحة.
من قضية يالتشينكايا إلى استمرار الملاحقات
يأتي الحكم امتدادًا لمسار قضائي أوروبي تناول ملفات الملاحقات المرتبطة بحركة غولن خلال السنوات الماضية.
ففي سبتمبر/أيلول 2023، أصدرت المحكمة الأوروبية حكمًا بارزًا في قضية المدرس السابق يوكسل يالتشينكايا ضد تركيا، وخلصت إلى انتهاك حقوقه في المحاكمة العادلة، وعدم العقاب دون قانون، وحرية تكوين الجمعيات.
وكانت إدانة يالتشينكايا قد استندت بصورة حاسمة إلى استخدام تطبيق «بايلوك»، إلى جانب أنشطة اعتبرتها السلطات مرتبطة بالحركة، بينها امتلاك حساب مصرفي في بنك محسوب عليها.
وأبرز ذلك الحكم ضرورة إخضاع الأدلة الرقمية والأنشطة المدنية والمالية لفحص قضائي دقيق، وعدم التعامل معها باعتبارها إثباتًا تلقائيًا للمسؤولية الجنائية.
ويختلف الحكم الجديد من حيث نطاقه القانوني؛ فهو يركز على مبررات الحبس الاحتياطي، بينما تناول حكم يالتشينكايا مشروعية الإدانة الجنائية والضمانات المرتبطة بها.
لكن القضيتين تلتقيان عند مسألة أساسية، هي مدى التزام المحاكم التركية بالتقييم الفردي للأدلة والوقائع، بدل الاعتماد على استنتاجات عامة بشأن الانتماء إلى الحركة.
خلفية سياسية وأرقام تكشف اتساع الملف
تعود المواجهة بين الرئيس رجب طيب أردوغان وحركة كولن، المستلهمة من الراحل فتح الله كولن الذي توفي عام 2024، إلى تحقيقات الفساد التي اندلعت في ديسمبر/كانون الأول 2013، وطالت اتهاماتها أردوغان وأفرادًا من عائلته ودائرته المقربة.
واعتبر أردوغان تلك التحقيقات مؤامرة دبرها أنصار كولن، قبل أن تصنف السلطات التركية الحركة تنظيمًا إرهابيًا في مايو/أيار 2016.
وتصاعدت الملاحقات بصورة كبيرة عقب محاولة الانقلاب في يوليو/تموز من العام نفسه، بعدما اتهمت الحكومة كولن بالوقوف وراءها، وهو اتهام نفته الحركة، كما نفت تورطها في أي نشاط إرهابي.
وبحسب أحدث الأرقام الواردة عن وزارة العدل التركية، تجاوز عدد الأشخاص الذين صدرت بحقهم إدانات على خلفية صلات مزعومة بالحركة 127 ألف شخص منذ عام 2016، فيما لا يزال 10,485 شخصًا في السجون، وتستمر الإجراءات القضائية بحق 83,404 آخرين.
وتشير هذه الأرقام إلى اتساع النطاق القضائي والاجتماعي للقضية، التي تجاوزت الملاحقات الفردية لتشمل قطاعات مهنية وتعليمية ومالية ومؤسسات مدنية مختلفة.
وتلتزم تركيا، بصفتها طرفًا في الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان، بتنفيذ الأحكام النهائية الصادرة عن المحكمة الأوروبية في القضايا الموجهة ضدها، تحت إشراف لجنة وزراء مجلس أوروبا. غير أن الآثار العملية لأي حكم تعتمد على نطاقه القانوني والتدابير الفردية والعامة اللازمة لتنفيذه.
وفي المحصلة، لا يحسم القرار الجديد المسؤولية الجنائية للمتهمين، لكنه يضع معيارًا واضحًا أمام القضاء التركي: لا تكفي الاتهامات الخطيرة أو الظروف الأمنية الاستثنائية لتبرير استمرار الاحتجاز دون أسباب فردية ومحددة.

