أثار ألب أرسلان كويتول، مؤسس وقف الفرقان وأحد الشخصيات الدينية المعروفة في تركيا، جدلاً جديداً بشأن مستقبل الجماعات الإسلامية والتنظيمات الدينية، بعدما حذّر من احتمال توسيع نطاق الإجراءات القضائية لتشمل جماعات أخرى، معتبراً أن التحقيقات الجارية قد تتحول إلى سابقة قانونية تُستخدم في التعامل مع مختلف التشكيلات الدينية في البلاد.
وجاءت هذه التصريحات في أعقاب لقاء مفتوح جمع كويتول بأفراد أسرته في الثامن من أكتوبر/تشرين الأول 2026، داخل سجن دوملو في أرضروم، حيث يُحتجز على ذمة التحقيق في القضية المرتبطة بوقف الفرقان.
ونشرت أسرته مضمون حديثه عبر حسابه على مواقع التواصل الاجتماعي، استناداً إلى ملاحظات قالت إنها دُوّنت خلال اللقاء.
وركّز كويتول في رسالته على أن الحراك الذي يقوده أنصاره خارج السجن لا ينبغي أن يُختزل في المطالبة بالإفراج عنه وعن بقية الموقوفين، بل يتجاوز ذلك، بحسب رؤيته، إلى الدفاع عن استمرار الأنشطة الإسلامية وحماية حق الجماعات الدينية في مواصلة أعمالها.
كويتول: تحضيرات لاستهداف جميع الجماعات
قال كويتول إنه يحرص على الدعاء يومياً للموجودين داخل السجون وللذين يواصلون تحركاتهم خارجها، موجهاً رسالة إلى أنصاره دعاهم فيها إلى إدراك الأبعاد الأوسع لما يقومون به.
واعتبر أن تحركاتهم لا تقتصر على المطالبة بالإفراج عن المعتقلين، بل ترتبط، وفق تعبيره، بالدفاع عن العقيدة الإسلامية وحماية الأنشطة الدينية. ثم أطلق تحذيره الأبرز، قائلاً إن “هناك استعدادات لعملية تستهدف الجماعات الدينية”، وإنه يرى أن التحقيقات الجارية تمهّد لإدراج هذه الجماعات ضمن إطار الجرائم المرتبطة بالتنظيمات الإجرامية.
وأضاف أن الإجراءات المتخذة بحق حركة الفرقان وجماعة السليمانيين، قد تُستخدم نموذجاً قانونياً للتعامل مع جماعات أخرى. وذهب إلى أن النتيجة المحتملة، من وجهة نظره، قد تتمثل في التضييق على الأنشطة الإسلامية والحد من قدرة الجماعات المختلفة على مواصلة أعمالها.
وختم رسالته بالتأكيد على أن أنصاره، في تقديره، يدافعون عن قضية أوسع من وضعه الشخصي، مشيداً بمن يواصلون تحركاتهم بالصبر والإصرار.
خلفية القضية: توقيفات واسعة وتحقيقات مالية وتنظيمية
تأتي تصريحات كويتول في سياق تحقيق قضائي واسع استهدف وقف الفرقان وعدداً من الأشخاص المرتبطين به. ففي التاسع عشر من أغسطس/آب 2026، نفذت السلطات عمليات أمنية في عدة مدن تركية، أسفرت عن توقيف كويتول وزوجته سمراء كويتول وعدد من أعضاء الحركة.
وبحسب تقارير إعلامية تركية، شملت التحقيقات شبهات تتعلق بتأسيس تنظيم إجرامي وإدارته، والعضوية فيه، وغسل الأموال المتحصلة من أنشطة إجرامية، والاحتيال المشدد، وتزوير وثائق رسمية ومخالفات ضريبية. كما أُعلن عن تعيين أوصياء إداريين على خمس شركات مرتبطة بالقضية، واتخاذ إجراءات لحجب الوصول إلى مئات الحسابات على وسائل التواصل الاجتماعي.
جماعة السليمانيين وحساسية السياق السياسي
تكتسب تصريحات كويتول أهمية إضافية لأنها تأتي بعد تحركات قضائية طالت جماعة السليمانيين، المعروفة بامتدادها الديني والتعليمي والاجتماعي داخل تركيا وخارجها.
وقد أثارت تلك الإجراءات نقاشاً حول طبيعة العلاقة بين الدولة والجماعات الدينية، وحدود الرقابة على أنشطتها، والفاصل بين المخالفات القانونية الفردية والمسؤولية المنسوبة إلى البنية التنظيمية بأكملها.
ويرى كويتول أن التعامل مع ملف الفرقان وملف السليمانيين باعتبارهما نموذجين متشابهين قد يفتح الباب أمام توسيع المقاربة نفسها لتشمل جماعات أخرى.
وتشير هذه التطورات، في المقابل، إلى اتساع النقاش العام بشأن كيفية إخضاع المؤسسات الدينية للرقابة القانونية من دون تحويل الانتماء الديني أو طبيعة التنظيم الاجتماعي إلى قرينة على ارتكاب جريمة.
بين مكافحة الجريمة وحرية النشاط الديني
تطرح القضية سؤالاً جوهرياً يتعلق بحدود تدخل الدولة في عمل الجماعات الدينية. فمن حق السلطات التحقيق في شبهات الاحتيال وغسل الأموال وتشكيل التنظيمات الإجرامية، واتخاذ التدابير القانونية المناسبة عندما تتوافر أسباب تستدعي ذلك.
لكن سلامة الإجراءات تقتضي أيضاً التمييز بين النشاط الديني المشروع والأفعال التي قد تشكل جرائم محددة، وعدم افتراض المسؤولية الجماعية من دون أدلة كافية. كما تتطلب ضمان حق الدفاع، واحترام قرينة البراءة، وإخضاع التدابير المقيدة للحرية لمعايير الضرورة والتناسب والرقابة القضائية.
وفي هذا السياق، تتجاوز أهمية تصريحات كويتول حدود الخلاف حول قضيته الشخصية؛ فهي تعكس مخاوف أوسع لدى بعض الأوساط الدينية بشأن مستقبل التنظيمات المستقلة، وحدود قدرتها على مواصلة أنشطتها في ظل التحقيقات الأمنية والقضائية.
يذكر أن كويتول خظف الأضواء بانتقاداته اللاذعة لحكومة أردوغان بسبب الاعتقالات الجماعية التي تشهدها البلاد منذ أكثر من عقد تحت ذريعة مكافحة الانقلاب المزعوم في ٢٠١٦، زاعما أن حزب العدالة والتنمية تحول إلى حزب الظلم والجور، على حد تعبيره.

