تتجلى في أروقة البرلمان الأوروبي ملامح مواجهة سياسية جديدة مع أنقرة، حيث يسعى نواب من تكتلات حزبية متنوعة إلى صياغة تقرير يتسم بلهجة أكثر صرامة حيال ملف سيادة القانون وحقوق الإنسان في تركيا.
هذا الحراك البرلماني يأتي مدفوعاً بما يصفه التقرير بـ”الانتكاس الديمقراطي” والتدخل القضائي الممنهج والتضييق على قوى المعارضة، وهو ما يجعل مسار انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي في حالة انسداد شبه كامل.
ورغم أن هذا التقرير، الذي يُعد رداً على تقييم المفوضية الأوروبية لعام 2025، يظل نصاً غير ملزم قانوناً، إلا أنه يحمل ثقلاً سياسياً كبيراً؛ كونه يحدد بوصلة البرلمان تجاه مستقبل العضوية التركية المعطلة، ويرهن أي تعاون وثيق بين بروكسل وأنقرة بمدى إنجاز إصلاحات ديمقراطية ملموسة.
تفكيك المعارضة وتسييس القضاء
يشير المشهد السياسي الداخلي في تركيا، حسب المسودات المقترحة، إلى تحول مقلق نحو تقويض العمل الحزبي، حيث انتقدت مجموعات “تجديد أوروبا” و”الاشتراكيين والديمقراطيين” ما وصفته بالتدخل السافر في الشؤون الداخلية لحزب الشعب الجمهوري، المعارض الرئيسي. ويستشهد التقرير بقرار محكمة استئناف أنقرة في مايو 2024 الذي ألغى نتائج مؤتمر الحزب لعام 2023 وأعاد كمال كليجدار أوغلو للقيادة، فضلاً عن مداهمة مقر الحزب من قبل الشرطة، وهي خطوات تُفسر أوروبياً بأنها انتقال من التنافس السياسي المحدود إلى “الحكم السلطوي الكامل”.
وفي سياق متصل، يبرز ملف رئيس بلدية إسطنبول، أكرم إمام أوغلو، كأحد أكثر النماذج وضوحاً لاستخدام القضاء في تحجيم الخصوم السياسيين؛ حيث يواجه لائحة اتهام ضخمة أعدها المدعي العام السابق والوزير الحالي، أكين غورليك، تطالب بسجنه لآلاف السنين بتهم تتراوح بين التزوير و”التجسس السياسي”. وقد وصلت المقترحات الأوروبية إلى حد المطالبة بفرض عقوبات محددة على غورليك، الذي وُصف في التعديلات بـ “سيئ السمعة” لمسؤوليته عن هذه الملاحقات.
تآكل الديمقراطية المحلية وحرية التعبير
لا تقتصر الضغوط على قيادات الصف الأول، بل تمتد لتطال البنية الديمقراطية المحلية؛ إذ رصد التقرير عزل 39 رئيس بلدية منذ مارس 2024، معظمهم من حزبي “الشعب الجمهوري” و”الديمقراطية والمساواة للشعوب” المؤيد للأكراد، واستبدالهم بأوصياء معينين من الدولة. وبينما تبرر أنقرة هذه الإجراءات بمكافحة الإرهاب، ترى المنظمات الحقوقية والنواب الأوروبيون فيها مصادرة لإرادة الناخبين وتقويضاً للإدارة الذاتية المحلية.
أما على صعيد الحريات الصحفية، فيوثق التقرير سلسلة من الانتهاكات تشمل نقل إدارة قناة (TELE1) إلى وصي، واحتجاز واعتقال صحفيين بارزين مثل أليجان أولوداغ ومردان يانارداغ وإسماعيل آري، بتهم تتنوع بين التجسس ونشر المعلومات المضللة، مما يعكس مناخاً من الترهيب يحيق بالعمل الصحفي.
التجاذبات الأيديولوجية والتمويل الأوروبي
تتعدد زوايا الرؤية داخل البرلمان الأوروبي تجاه تركيا بناءً على الانتماءات السياسية؛ فبينما يركز الليبراليون والخضر على الحقوق الديمقراطية، تضع القوى اليمينية قضايا الهجرة، والتمويل، والملف القبرصي، والعلاقة مع “حماس” في مقدمة أولوياتها. وتثير تقديرات التمويل الأوروبي لأنقرة، التي قد تتجاوز 24 مليار يورو بحلول عام 2027 عبر صناديق ما قبل الانضمام والهجرة، حفيظة مجموعات يمنية تطالب بإنهاء محادثات العضوية نهائياً واستبدالها بـ”شراكة استراتيجية”.
وفي سياق الهوية، تظهر انقسامات داخل البرلمان؛ إذ تدافع مجموعة “أوروبا الأمم السيادية” عن الخصوصية الثقافية لتركيا كبلد محافظ، معارضةً التدخل في شؤونها المتعلقة بحقوق مجتمع الميم أو مسيرات الفخر، معتبرة إياها قضايا محلية يجب احترامها. وفي المقابل، تبرز مخاوف من التغلغل الديني والاجتماعي التركي في أوروبا عبر “رئاسة الشؤون الدينية” (ديانت)، التي تُتهم ببناء شبكات نفوذ تستهدف الشباب الأتراك في دول الاتحاد.
السياسة الخارجية والمصالح الدفاعية المعقدة
يظل الملف الخارجي حافلاً بنقاط الاحتكاك، بدءاً من القضية القبرصية وتوصيف التدخل العسكري لعام 1974 بـ”جرائم حرب”، وصولاً إلى عقيدة “الوطن الأزرق” البحرية التي تراها اليونان وقبرص توسعية. كما تتعرض تركيا لانتقادات حادة بسبب دعمها المفترض لحركة حماس والشبكات المرتبطة بجماعة الإخوان المسلمين، وهو ما يضعها في صدام مع المعايير الأمنية الأوروبية.
ومع ذلك، يقر التقرير بوجود مفارقة في العلاقة؛ فتركيا تبرز كقوة دفاعية عالمية رائدة في إنتاج الطائرات المسيرة، مع توسع التعاون التكنولوجي والصناعي بين شركاتها ونظيراتها الأوروبية. هذا الدور الدفاعي المتنامي، إلى جانب التعاون الضروري في ملفات الأمن والتجارة والنزاعات الإقليمية، يخلق حالة من التوازن القلق بين الحاجة إلى أنقرة كشريك جيوسياسي، والالتزام بالقيم الديمقراطية التي يصر البرلمان الأوروبي على جعلها شرطاً لا غنى عنه لأي تقارب مستقبلي.
خلاصة
يؤكد التقرير الأوروبي أن تعنت السلطة في تركيا وتقييد الخصوم يعطلان مسار العضوية، رغم الحاجة الاستراتيجية المتبادلة في قطاعات الدفاع والأمن والتجارة.

