وجّه رئيس محكمة التمييز التركية الأسبق، البروفيسور سامي سلجوق، انتقادات لاذعة لأوضاع الديمقراطية وسيادة القانون في تركيا، معتبرا أن البلاد تشهد تراجعا غير مسبوق في المبادئ الدستورية التي يقوم عليها النظام الديمقراطي، وأنها أصبحت، من حيث معايير الديمقراطية وحكم القانون، متأخرة حتى عن بعض الدول الإفريقية.
وتأتي تصريحات سلجوق في وقت يتواصل فيه الجدل داخل تركيا بشأن استقلال القضاء، ومستقبل النظام السياسي، والتوازن بين السلطات، وهي ملفات تحظى باهتمام واسع في الأوساط القانونية والسياسية، كما تشكل محورًا متكررًا في تقارير المؤسسات الدولية المعنية بالديمقراطية وحقوق الإنسان.
انتقاد مباشر لتآكل مبدأ الفصل بين السلطات
اعتبر سامي سلجوق أن مبدأ الفصل بين السلطات، الذي يشكل أحد الأعمدة الأساسية لأي نظام ديمقراطي، تعرض في تركيا لتراجع كبير، مشيرا إلى أن السلطة التنفيذية باتت تمارس نفوذا متزايدا على السلطتين التشريعية والقضائية.
ورأى أن هذا الواقع أدى، من الناحية العملية، إلى إضعاف آليات الرقابة والتوازن بين مؤسسات الدولة، وهو ما يتعارض، بحسب تقديره، مع المبادئ الدستورية التي تقوم عليها الدولة القانونية الحديثة.
وأضاف أن النموذج القائم حاليا لا ينسجم مع مفهوم الدولة الديمقراطية القائمة على سيادة القانون، معتبرا أن إدارة شؤون البلاد أصبحت تتم بصورة تتركز فيها السلطة إلى حد كبير في يد شخص واحد، وهو ما ينعكس على أداء المؤسسات واستقلاليتها.
استقلال القضاء في قلب الانتقادات
وفي تقييمه لأوضاع المنظومة القضائية، شدد سلجوق على أن استقلال القضاء وحياده يمثلان الشرط الأساسي لضمان العدالة وحماية الحقوق والحريات.
وأشار إلى أن المبادئ القانونية العالمية تقتضي أن تكون السلطة القضائية بمنأى عن أي تأثير سياسي أو تنفيذي، إلا أنه يرى أن هذه الضمانات تعرضت خلال السنوات الأخيرة إلى تآكل ملحوظ، الأمر الذي أضعف ثقة المواطنين في منظومة العدالة.
وأكد أن إعادة بناء قضاء مستقل وغير خاضع للتجاذبات السياسية تعد خطوة ضرورية لاستعادة الثقة بالمؤسسات وترسيخ دولة القانون.
غياب الأمن القانوني ينعكس على الاقتصاد والمجتمع
ربط رئيس محكمة التمييز الأسبق بين استقلال القضاء والاستقرار العام للدولة، مؤكدا أن غياب الأمن القانوني لا يقتصر تأثيره على المجال القضائي فحسب، بل يمتد إلى الاقتصاد والاستثمار والاستقرار الاجتماعي.
وأوضح أن المستثمرين والمواطنين يحتاجون إلى منظومة قضائية مستقلة توفر اليقين القانوني وتكفل حماية الحقوق، معتبرا أن أي خلل في هذا الجانب ينعكس سلبا على البيئة الاقتصادية، ويؤثر في ثقة الأسواق والمؤسسات المحلية والدولية.
دعوة إلى إعادة ترسيخ أسس الدولة القانونية
دعا سلجوق إلى إعادة بناء النظام الدستوري على أساس مبادئ دولة القانون، مؤكدا أن الديمقراطية لا يمكن اختزالها في تنظيم الانتخابات الدورية فقط.
وأوضح أن الديمقراطية الحقيقية تقوم على مجموعة متكاملة من الضمانات، تشمل استقلال القضاء، وصون الحقوق والحريات الأساسية، وضمان الفصل بين السلطات، وخضوع جميع مؤسسات الدولة للقانون، باعتبارها عناصر لا غنى عنها لاستمرار أي نظام ديمقراطي.
وأشار إلى أن حماية هذه المبادئ تمثل الضمانة الأساسية لاستقرار الدولة والحفاظ على شرعية مؤسساتها.
سياق سياسي وقانوني
تأتي تصريحات سامي سلجوق في ظل استمرار النقاش الداخلي بشأن طبيعة النظام الرئاسي الذي اعتمدته تركيا بعد الاستفتاء الدستوري عام 2017، ودخوله حيز التنفيذ عقب الانتخابات الرئاسية عام 2018.
ومنذ ذلك الحين، يواصل الجدل بين الحكومة والمعارضة حول مدى تأثير النظام الرئاسي في توازن السلطات واستقلال القضاء، حيث تؤكد الحكومة أن النظام الجديد عزز سرعة اتخاذ القرار وكفاءة الإدارة، فيما ترى أحزاب المعارضة وعدد من القانونيين أنه أدى إلى تركيز واسع للصلاحيات داخل السلطة التنفيذية.
كما تتزامن هذه التصريحات مع استمرار الانتقادات التي توجهها مؤسسات أوروبية ودولية بشأن أوضاع سيادة القانون واستقلال القضاء وحرية الإعلام وحقوق الإنسان في تركيا، وهي ملفات تشكل أحد أبرز محاور الحوار بين أنقرة وشركائها الغربيين.

