تناول المحلل السياسي والكاتب الصحفي التركي أرقم طوفان أحدث التطورات المتعلقة بمسودة تقرير البرلمان الأوروبي بشأن تركيا، مسلطاً الضوء على الفجوة العميقة بين الخطاب الاستعلائي الموجه للداخل التركي، والتحركات الدبلوماسية “الاستجدائية” التي تمارسها أنقرة في الكواليس الأوروبية.
تقرير البرلمان الأوروبي: من الانتقاد العام إلى العقوبات الشخصية
يرى أرقم طوفان أن مسودة التقرير الأوروبي الأخيرة لا تمثل مجرد انتقاد تقليدي لحالة سيادة القانون واستقلال القضاء في تركيا، بل تمثل تحولاً نوعياً في التعامل مع الملف التركي. ويبرز اسم وزير العدل، أكين غورليك، كأحد أكثر العناوين إثارة للجدل في هذا التقرير؛ حيث يقترح البرلمان الأوروبي إدراجه ضمن آلية عقوبات الاتحاد الأوروبي المتعلقة بحقوق الإنسان. وتتجاوز هذه المقترحات حدود العتاب السياسي لتصل إلى إجراءات ملموسة، مثل تجميد الأصول والمنع من السفر، مما يضع الحكومة التركية أمام مواجهة مباشرة مع المسؤولية السياسية والقانونية عن “المحاكمات ذات الدوافع السياسية” التي لعب فيها غورليك دوراً محورياً وفقاً للمسودة.
التناقض البنيوي في الخطاب: زئير الداخل وهدوء الخارج
يحلل طوفان ظاهرة “ازدواجية اللغة” التي تنتهجها السلطة الحاكمة في تركيا، حيث يظهر المسؤولون في حزب العدالة والتنمية، مثل المتحدث باسم الحزب عمر جيليك، بمظهر المتحدي الذي لا يقبل المساس برموز الدولة، مردداً عبارات من قبيل “ليس من حق أحد استهداف أكين غورليك”. هذا الخطاب، الذي يتسم بنبرة حادة وادعاءات بامتلاك “السيادة المطلقة”، موجه بالدرجة الأولى لتثبيت صورة القوة أمام القواعد الشعبية التركية، خاصة في إطار شعارات “قرن تركيا”.
ومع ذلك، يكشف طوفان عن وجه آخر لهذه السلطة يظهر خلف الأبواب الموصدة في بروكسل؛ ففي حين “تزأر” القيادات في الداخل، يسعى ممثلو الحزب في أروقة البرلمان الأوروبي جاهدين للتواصل مع معدي التقرير بلغة “رجاء” واضحة، متسائلين عن السبل الممكنة لحذف اسم وزير العدل من النص النهائي. هذا التباين يوضح أن السلطة التركية تدرك تماماً حجم المخاطر القانونية والدولية، لكنها تفضل ممارسة “البراغماتية المتوسلة” في الخارج مع الحفاظ على “الهيمنة الدعائية” في الداخل.
جوهر الأزمة: الأفعال لا الكلمات
يشير أرقم طوفان إلى أن رد المسؤولين الأوروبيين على محاولات المقايضة التركية كان حاسماً؛ إذ أكدوا أن مشكلة تركيا ليست في “ما يُكتب عنها في التقارير”، بل في “ما يُمارس فعلياً على أرض الواقع”. ويوضح التحليل أن المحاولات التركية لتجميل الصورة عبر حذف الأسماء لن تغير من حقيقة أن القضاء أصبح “أداة سياسية” لتصفية الخصوم، من قادة المعارضة ورؤساء البلديات إلى الصحفيين.
ويؤكد طوفان أن الآلة الإعلامية التابعة للسلطة في تركيا قد تنجح محلياً في تصوير كل انتقاد دولي على أنه “هجوم على الإرادة الوطنية” أو استهداف للدولة، لكن هذه البروباغندا تفقد مفعولها تماماً في الساحة الدولية. ففي أوروبا، لا يتم التعامل مع الشعارات الرنانة، بل مع الملفات القضائية والحقائق الملموسة التي تثبت غياب استقلال المحاكم.
مأزق “المقايضة” بدلاً من “الإصلاح“
يختتم أرقم طوفان تحليله بالإشارة إلى أن السلطة التركية تحاول معالجة الأعراض بدلاً من المرض؛ فهي تسعى لحذف اسم الوزير من التقرير بدلاً من إصلاح النظام القضائي الذي أدى لوضع اسمه فيه أصلاً. ويرى الكاتب أن استمرار نهج “البلطجة السياسية” في الداخل وتقديم “التنازلات” في الخارج لن يحمي المسؤولين من تداعيات العقوبات، لأن القضايا الحقوقية التي يتم غلقها بالترهيب محلياً، ستظل تلاحق السلطة في كل منبر دولي ما لم يحدث تغيير حقيقي في هيكلية الحقوق والحريات.
خلاصة
يعري أرقم طوفان تناقض السلطة التركية التي تتبنى خطاب القوة والسيادة للاستهلاك المحلي، بينما تمارس دبلوماسية الاستجداء في أوروبا لحماية مسؤوليها من العقوبات، مؤكداً أن المخرج الوحيد هو الإصلاح القضائي الفعلي لا الصفقات السياسية.

