تشهد الساحة السياسية التركية مرحلة جديدة من التوتر مع إحالة طلبات إلى البرلمان لرفع الحصانة التشريعية عن عدد من النواب، في خطوة تطال شخصيات بارزة في المعارضة، وعلى رأسها رئيس حزب الشعب الجمهوري المعارض أوزغور أوزيل.
وتأتي هذه التطورات في وقت تواجه فيه المعارضة سلسلة من الملفات القضائية والتحقيقات التي تستهدف عدداً من قياداتها ومسؤوليها المنتخبين.
وبحسب السجلات البرلمانية، تلقى البرلمان التركي ملفات تتعلق برفع الحصانة عن 12 نائباً من أحزاب معارضة مختلفة، قبل أن يقوم مكتب رئاسة البرلمان بإحالتها إلى اللجنة المشتركة المؤلفة من أعضاء لجنتي الدستور والعدل لدراستها واتخاذ الإجراءات البرلمانية اللازمة بشأنها.
تعدد الملفات واتساع دائرة المستهدفين
تشير المعطيات البرلمانية إلى أن عدد الملفات المحالة بلغ 14 ملفاً، رغم أن عدد النواب المعنيين أقل من ذلك. ويعود السبب إلى وجود ملفين منفصلين بحق كل من رئيس حزب الشعب الجمهوري أوزغور أوزيل والنائب عن الحزب نفسه مصطفى ساري غول، فيما خُصص ملف واحد لكل نائب من النواب الآخرين المشمولين بالإجراءات.
وتشمل القائمة أيضاً تورهان تشومز، نائب رئيس الكتلة البرلمانية لحزب “الجيد”، إضافة إلى نواب حزب الشعب الجمهوري عصمت غونيشان، وإيليم إرتوغ أرطغرل، وأولاش كاراسو، وسليمان بولبول، وجمال إنغين يورت، وجودت أكاي. كما تضم النائب هاكان شرف أولغون من حزب “الجيد”، ومسعود دوغان من حزب الطريق الجديد، وأحمد شيك من حزب العمال التركي.
الحصانة البرلمانية في تركيا وآليات رفعها
يتمتع أعضاء البرلمان التركي بحصانة تشريعية تمنحهم حماية قانونية من الملاحقة القضائية أثناء توليهم مناصبهم النيابية. غير أن هذه الحماية ليست مطلقة، إذ يمكن رفعها في حالات محددة بعد استكمال الإجراءات الدستورية وحصول موافقة البرلمان على ذلك.
ويمثل إحالة الملفات إلى اللجنة المشتركة المرحلة الأولى من المسار البرلماني، حيث تُدرس الطلبات قبل رفع التوصيات إلى الهيئة العامة للبرلمان التي تمتلك الكلمة الفصل بشأنها.
غموض حول طبيعة الاتهامات
ورغم الإعلان عن إحالة الملفات إلى البرلمان، لم تتضمن السجلات البرلمانية تفاصيل حول الاتهامات أو المبررات القانونية التي استندت إليها طلبات رفع الحصانة. ويترك هذا الغموض المجال مفتوحاً أمام تكهنات سياسية وقانونية بشأن خلفيات هذه الملفات وتوقيتها.
كما أن عدم الكشف عن طبيعة الادعاءات يجعل من الصعب تقييم مدى ارتباطها بنشاط النواب السياسي أو بملفات قضائية منفصلة، وهو ما قد يصبح أكثر وضوحاً خلال المراحل اللاحقة من المناقشات البرلمانية.
أزمة متفاقمة داخل حزب الشعب الجمهوري
تأتي هذه التطورات في ظل ظروف استثنائية يمر بها حزب الشعب الجمهوري، أكبر أحزاب المعارضة التركية. فالحزب يواجه منذ أشهر سلسلة من الضغوط القانونية والسياسية التي طالت عدداً من أبرز قياداته.
وكان القضاء التركي قد أصدر خلال الشهر الماضي حكماً بإبطال المؤتمر العام الذي انتُخب خلاله أوزغور أوزيل رئيساً للحزب عام 2023، وهو القرار الذي ترتب عليه عملياً إبعاده عن رئاسة الحزب وإعادة سلفه كمال كليجدار أوغلو إلى موقع القيادة.
وقد رفض الحزب الحكم بشكل قاطع، واعتبره تدخلاً قضائياً في الحياة السياسية الداخلية، واصفاً إياه بأنه “انقلاب قضائي” على إرادة أعضائه، مؤكداً عزمه الطعن فيه ومواصلة المسار القانوني لإلغائه.
ملف أكرم إمام أوغلو يزيد الضغوط على المعارضة
لا تقتصر التحديات التي تواجه حزب الشعب الجمهوري على قضية القيادة الحزبية، بل تمتد إلى ملفات أخرى أكثر حساسية، أبرزها قضية رئيس بلدية إسطنبول أكرم إمام أوغلو، الذي يُعد أحد أهم الشخصيات السياسية المعارضة وأكثرها حضوراً على الساحة الوطنية.
ويقضي إمام أوغلو منذ عام 2025 فترة احتجاز على خلفية اتهامات مرتبطة بقضايا فساد، وهي الاتهامات التي ينفيها بشكل كامل، كما يرفضها الحزب الذي يعتبرها ذات دوافع سياسية. ويُنظر إلى إمام أوغلو على نطاق واسع باعتباره أحد أبرز المنافسين المحتملين للرئيس رجب طيب أردوغان في أي استحقاق رئاسي مستقبلي، ما جعل قضيته محوراً أساسياً في الجدل السياسي التركي.
قراءة في الدلالات السياسية
تعكس طلبات رفع الحصانة الأخيرة اتساع دائرة المواجهة بين السلطة والمعارضة في تركيا، حيث تتزامن الإجراءات البرلمانية مع ملفات قضائية تمس قيادات سياسية بارزة. كما أن شمول رئيس أكبر أحزاب المعارضة بهذه الطلبات يمنح القضية بعداً سياسياً يتجاوز الإطار القانوني البحت.
ومن الناحية السياسية، يرى مراقبون أن تزامن ملفات رفع الحصانة مع النزاعات القضائية المتعلقة بقيادة حزب الشعب الجمهوري وقضية أكرم إمام أوغلو يعزز حالة الاستقطاب المتصاعدة في البلاد. وفي المقابل، تؤكد الجهات الرسمية أن الإجراءات المتخذة تستند إلى الأطر القانونية والدستورية المعمول بها.
ومع استمرار الجدل حول استقلالية القضاء وحدود العمل السياسي في تركيا، من المتوقع أن تظل هذه الملفات محوراً رئيسياً للنقاش الداخلي خلال المرحلة المقبلة، خصوصاً مع اقتراب استحقاقات سياسية وانتخابية قد تعيد رسم موازين القوى داخل المشهد التركي.
خلاصة
أحال البرلمان التركي ملفات لرفع الحصانة عن 12 نائباً معارضاً، بينهم رئيس حزب الشعب الجمهوري أوزغور أوزيل، في خطوة تأتي وسط تصاعد الضغوط القانونية والسياسية على المعارضة.
وتتزامن هذه التطورات مع أزمة قيادة داخل حزب الشعب الجمهوري واستمرار قضية أكرم إمام أوغلو، ما يعمق حالة الاستقطاب السياسي ويزيد من حدة الجدل حول مستقبل المعارضة في تركيا.

