تشهد الساحة السياسية التركية تصاعد ملامح سردية جديدة تتبناها وسائل الإعلام المقربة من حكومة حزب العدالة والتنمية والرئيس رجب طيب أردوغان، تستهدف هذه المرة الحزب الذي يعمل رئيس حزب الشعب الجمهوري أوزغور أوزيل على إعادة تشكيله، إلى جانب شخصيات معارضة بارزة، وفي مقدمتها أكرم إمام أوغلو. ويبدو أن الأداة المختارة لهذه المواجهة هي إعادة توظيف “تهمة الارتباط بحركة كولن”، التي تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى واحدة من أكثر أدوات الإقصاء السياسي والإعدام المعنوي فاعلية في الخطاب الرسمي.
وتروج منابر إعلامية موالية للحكومة لروايات تزعم أن أوزيل لم يكن مجرد سياسي صعد داخل المعارضة، بل هو “مشروع” جرى إعداده منذ سنوات دراسته في المدارس التابعة لحركة الخدمة. وفي السياق ذاته، يجري تقديم أكرم إمام أوغلو باعتباره امتدادا لبيئة اجتماعية وعائلية دعمت أنشطة الحركة في مراحل سابقة، في محاولة لنسج شبكة من “الصلات المزعومة، لكنها تُقدَّم للرأي العام باعتبارها حقائق راسخة.
ولا تبدو هذه الروايات، وفق مراقبين، مجرد حملات إعلامية عابرة، بل جزءا من استراتيجية أوسع تهدف إلى إعادة تشكيل صورة المعارضة في الوعي العام، عبر ربط قياداتها بالحركة التي تعتبرها الحكومة المسؤول عن محاولة الانقلاب الغامضة في عام 2016، بما يتيح تقويض شرعيتها السياسية والأخلاقية قبل أي مواجهة انتخابية مقبلة.
أزمة الإعلام المعارض… حين يتحول إلى ناقل لرواية السلطة
المفارقة التي تثير قلق كثير من المتابعين لا تتعلق بالإعلام الحكومي، بل بما يصفونه بأداء جزء من الإعلام المحسوب على المعارضة. فبدلا من تفكيك الرواية الرسمية وكشف آليات بنائها، يجد هذا الإعلام نفسه، أحيانا عن قصد وأحيانا من دون قصد، يعيد إنتاجها داخل البيئة المعارضة.
ويحدث ذلك من خلال تداول مقاطع مجتزأة، أو إعادة نشر اتهامات غير موثقة، أو الانخراط في نقاشات تفرضها السلطة، بما يؤدي في النهاية إلى نقل خطابها إلى جمهور المعارضة نفسه، وإثارة الشكوك بين مكوناته، وتقويض الثقة المتبادلة بين القوى السياسية المعارضة.
ويرى محللون أن هذه الظاهرة تمنح السلطة مكسبا سياسيا مهما، لأنها تجعل خصومها يستهلكون طاقتهم في الرد على روايات صاغها الطرف الآخر، بدلا من فرض أجندتهم الخاصة على النقاش العام.
“تهمة كولن”… أداة لإعادة هندسة المشهد السياسي
تشير مؤشرات متزايدة إلى أن الحكومة قد تكون بصدد تهيئة الرأي العام لمرحلة جديدة، يتم فيها إضفاء غطاء قانوني وسياسي على تحقيقات أو ملاحقات قد تطال الحزب الجديد وقيادات معارضة، استنادا إلى مزاعم تتعلق بوجود صلات مع حركة كولن.
وتسبق هذه الخطوة، بحسب مراقبين، حملة إعلامية مكثفة تعتمد على التسريبات والإيحاءات والتلميحات أكثر من اعتمادها على الأدلة المعلنة، بما يسهم في ترسيخ صورة ذهنية لدى الرأي العام قبل أي تحرك قضائي محتمل.
وتقوم هذه المقاربة على دفع المعارضة إلى موقع الدفاع، وإجبارها على استنزاف جهودها في نفي الاتهامات وإثبات “وطنيتها”، وهو ما يعني، عمليا، نقل المعركة إلى الملعب الذي تحدده السلطة، واعتماد قواعد اللعبة التي تضعها هي.
معضلة المعارضة… الدفاع لا يكسر الفخ
يذهب عدد من المحللين إلى أن استمرار المعارضة، وفي مقدمتها أوزغور أوزيل، في التعامل مع هذه الاتهامات بمنطق الدفاع ومحاولة البرهنة على البراءة من خلال المزايدة في العداء لحركة كولن، لن يؤدي إلى تحييد الهجوم الرسمي، بل قد يسهم في تكريس المناخ السياسي الذي تستفيد منه السلطة.
فكلما انخرطت المعارضة في معركة إثبات النفي، ازدادت مساحة الخطاب الذي يربط الحياة السياسية كلها بسؤال الولاء أو الصلة بحركة كولن، بينما تتراجع القضايا التي تمس المواطنين بصورة مباشرة إلى الهامش.
من الدفاع إلى المبادرة
ويرى مراقبون أن المخرج الأكثر فاعلية يكمن في كسر قواعد اللعبة التي تفرضها السلطة، والانتقال من موقع رد الفعل إلى موقع المبادرة، عبر إعادة توجيه النقاش العام نحو ملفات الفساد، والأزمة الاقتصادية، وتراجع الحريات، واستقلال القضاء، والانتهاكات القانونية التي تتهم بها مؤسسات الدولة.
كما يشدد هؤلاء على ضرورة تجنب الانجرار إلى سجالات الهوية والانتماءات الأيديولوجية، وهي ساحات تمتلك السلطة فيها خبرة طويلة في إدارة الاستقطاب وتوجيه الرأي العام، مقابل التركيز على القضايا المعيشية والإصلاح الديمقراطي وسيادة القانون، بوصفها الملفات الأكثر التصاقا باهتمامات الناخبين.
معركة السردية قبل معركة الصناديق
تكشف التطورات الجارية أن المنافسة السياسية في تركيا لم تعد تدور فقط حول البرامج الانتخابية أو نتائج صناديق الاقتراع، بل أصبحت معركة على السردية نفسها؛ أي على من يملك القدرة على تعريف الخصم، ورسم صورته في الوعي الجمعي، وتحديد القضايا التي ينشغل بها الرأي العام.
وفي هذا السياق، يرى عدد من المراقبين أن الأنظمة التي تمتلك نفوذا واسعا على مؤسسات الدولة ووسائل الإعلام تستطيع التأثير في موازين المنافسة السياسية ليس فقط عبر الأدوات الانتخابية، وإنما أيضا من خلال التحكم في الخطاب العام، وصياغة الرواية الوطنية، وإعادة تشكيل صورة الخصوم أمام المجتمع.
لذلك، يقف المشهد السياسي التركي أمام مرحلة شديدة الحساسية، تتطلب من قوى المعارضة قدرا أكبر من الوعي الاستراتيجي، حتى لا تبقى أسيرة القوالب التي يرسمها خصومها. فالبقاء في موقع رد الفعل، بدلا من صناعة المبادرة وتحديد أولويات النقاش العام، قد يؤدي تدريجيا إلى استنزاف رصيدها السياسي، وتقليص فرص إحداث تغيير ديمقراطي حقيقي.

