في تطور لافت يعكس مساعي إعادة بناء العلاقات بين تركيا وأرمينيا، عقد مسؤولون من البلدين اجتماعًا مشتركًا في مدينة قارص شرق تركيا، بهدف تشكيل مجموعة عمل مشتركة لإعادة تشغيل خط السكك الحديدية الرابط بين قارص ومدينة غيومري.
وأوضحت وزارة الخارجية التركية أن اللقاء ركّز على سبل إعادة تأهيل الخط واستعادة قدرته التشغيلية، باعتباره جزءًا من عملية أوسع لتطبيع العلاقات بين أنقرة ويريفان، التي لا تزال تفتقر إلى علاقات دبلوماسية رسمية حتى اليوم.
خط معطّل منذ ثلاثة عقود
يُعد خط قارص–غيومري أحد المسارات الحيوية التي كانت تربط بين البلدين، حيث لعب دورًا مهمًا في حركة التجارة والنقل الإقليمي قبل أن يتوقف عن العمل عام 1993. جاء ذلك التوقف في ظل التوترات التي رافقت نزاع ناغورنو كاراباخ، حين أغلقت تركيا حدودها البرية مع أرمينيا دعمًا لأذربيجان خلال الحرب الأولى.
ومنذ ذلك الحين، بقي الخط خارج الخدمة، بالتوازي مع استمرار إغلاق الحدود وغياب أي تمثيل دبلوماسي مباشر بين البلدين.
أبعاد اقتصادية وجيوسياسية لإعادة التشغيل
يرى مسؤولون من الجانبين أن إعادة فتح هذا الخط ستسهم في تعزيز الترابط الإقليمي، وتفتح المجال أمام تنشيط التجارة، وتسهيل حركة النقل بين آسيا وأوروبا عبر القوقاز.
كما يُتوقع أن يشكل المشروع جزءًا من شبكة أوسع للنقل العابر للحدود، بما يعزز فرص التكامل الاقتصادي في المنطقة، خاصة في ظل التحولات الجيوسياسية التي تدفع نحو إعادة رسم مسارات الطاقة والتجارة.
دعم دولي ورسائل سياسية
في تعليق لافت، وصف السفير الأمريكي لدى تركيا توم باراك هذه الخطوة بأنها “محطة مهمة لتعزيز الترابط الإقليمي والسلام”، مشيرًا إلى ارتباطها بمبادرات دبلوماسية أوسع تحظى بدعم واشنطن.
وتعكس هذه الإشارة اهتمامًا دوليًا متزايدًا بدفع مسار التقارب بين تركيا وأرمينيا، باعتباره عامل استقرار في منطقة جنوب القوقاز.
مسار طويل من المحاولات غير المكتملة
رغم هذا التقدم، لا تزال العلاقات التركية الأرمينية محكومة بإرث معقد من الخلافات السياسية والتاريخية. فقد شهدت السنوات الماضية عدة محاولات للتطبيع، أبرزها مبادرة عام 2009 التي لم تُكتب لها الاستمرارية، قبل أن يُعاد إطلاق مسار جديد عام 2022 عبر تعيين مبعوثين خاصين من الطرفين.
وفي إطار هذه الجهود، تم الاتفاق مؤخرًا على السماح لمواطني دول ثالثة والدبلوماسيين بعبور الحدود البرية، إلى جانب تسهيلات في إجراءات التأشيرات لحاملي الجوازات الرسمية.
ارتباط التقدم بملف أرمينيا–أذربيجان
على الرغم من الخطوات الإيجابية، لا يزال فتح الحدود بشكل كامل مرهونًا بتطورات العلاقات بين أرمينيا وأذربيجان، خاصة في ظل استمرار التوترات المرتبطة بإقليم ناغورنو كاراباخ.
وبالتالي، فإن أي تقدم حقيقي في العلاقات التركية الأرمينية يظل مرتبطًا بشكل وثيق بمآلات التسوية بين يريفان وباكو، ما يجعل مسار التطبيع هشًا وقابلًا للتأثر بالتوازنات الإقليمية.
اقتصاد يسبق السياسة
تعكس مبادرة إعادة تشغيل خط السكك الحديدية تحولًا تدريجيًا نحو استخدام الأدوات الاقتصادية كمدخل لتخفيف التوترات السياسية. فبينما لا تزال القضايا الخلافية الكبرى دون حل، يبدو أن الطرفين يسعيان إلى بناء أرضية تعاون عملي يمكن أن تمهد لتطبيع أوسع.
كما يشير هذا التطور إلى إدراك متزايد لدى أنقرة ويريفان بأن العزلة المتبادلة لم تعد خيارًا قابلًا للاستمرار في ظل التغيرات الإقليمية والدولية.

