أكد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان تمسك حكومته بمواصلة مبادرة السلام الرامية إلى إنهاء الصراع المسلح مع حزب العمال الكردستاني، مشددًا على أن العملية قطعت شوطًا مهمًا بعد مرور نحو ثمانية عشر شهرًا على انطلاقها.
وخلال اجتماع الكتلة البرلمانية لحزب العدالة والتنمية، أشار أردوغان إلى أن المشروع، الذي تطرحه الحكومة تحت عنوان “تركيا خالية من الإرهاب”، تجاوز “عتبات حرجة”، مؤكدًا أن إنهاء هذا الصراع، الذي كلّف البلاد أكثر من تريليوني دولار، سيمنح دفعة قوية لمشروع “قرن تركيا”، وهو الشعار الذي تتبناه أنقرة لمرحلة ما بعد المئوية الأولى للجمهورية.
كما شدد على ضرورة إدارة المرحلة الحالية بحذر بالغ، خصوصًا بعد إقرار تقرير اللجنة البرلمانية المعنية، معتبرًا أن المرحلة تتطلب تماسكًا سياسيًا وتجاهل ما وصفه بـ“الضجيج” الصادر عن أطراف تسعى لإفشال المسار.
انتقادات كردية: بطء وتردد في التنفيذ
في المقابل، صعّد حزب الديمقراطية والمساواة للشعوب من لهجته النقدية تجاه الحكومة، حيث اتهمت رئيسته المشتركة تولاي حاتموغولاري أنقرة باتباع نهج “متردد وبطيء”، لا يتناسب مع الفرصة السياسية التي أتاحتها التطورات الأخيرة.
ويرى الحزب، الذي يُعد ثالث أكبر قوة في البرلمان، أن الحكومة لم تُقدم على الخطوات القانونية والسياسية اللازمة، رغم الدعوة التي أطلقها زعيم الحزب الكردستاني المسجون عبد الله أوجلان في شباط/فبراير 2025، والتي طالب فيها بإنهاء العمل المسلح.
بين الإعلان والتنفيذ: معضلة التحقق
رغم إعلان حزب العمال الكردستاني في أيار/مايو 2025 قراره حلّ نفسه وإنهاء حملته المسلحة التي استمرت منذ عام 1984 وأسفرت عن مقتل أكثر من أربعين ألف شخص، فإن الحكومة التركية تشدد على ضرورة التحقق العملي من تنفيذ هذا القرار قبل الانتقال إلى خطوات تشريعية أوسع.
هذا الشرط يشكل جوهر الخلاف بين الطرفين؛ إذ ترى أنقرة أن الضمانات الميدانية شرط أساسي، بينما يعتبر الحزب الكردي أن التأخير في الإصلاحات يقوّض الثقة ويهدد المسار برمته.
دور البرلمان: خارطة طريق قيد الاختبار
أقرت لجنة برلمانية برئاسة نعمان كورتولموش تقريرًا في شباط/فبراير يحدد مسار الإصلاحات القانونية والسياسية المرتبطة بالعملية. واعتبر أردوغان أن هذا الإقرار نقل المسار إلى مرحلة أكثر حساسية.
من جهته، أشار كورتولموش إلى أن العملية تسير بشكل إيجابي، لكنها لا تزال تواجه “عتبة حاسمة”، تتمثل في التأكد من تخلي الحزب الكردستاني عن السلاح بشكل كامل. ولفت إلى أن تسليم أسلحة في السليمانية خلق أجواء إيجابية، لكنه أكد الحاجة إلى خطوات مماثلة لتعزيز الثقة.
كما ألمح إلى أن أي إطار قانوني جديد سيظل مرهونًا بتقييم تطورات الميدان، محذرًا من أن فشل العملية قد يترتب عليه “ثمن باهظ” لا ينبغي لتركيا أن تدفعه مجددًا.
إشارات تشريعية مرتقبة
في السياق ذاته، أشار نائب رئيس الكتلة البرلمانية لحزب العدالة والتنمية عبد الحميد غُل إلى أن المرحلة المقبلة قد تشهد ترجمة توصيات اللجنة إلى قوانين، مؤكدًا أن العملية تُعد “مشروعًا وطنيًا” يحظى بأجواء سياسية إيجابية وتوافق واسع نسبيًا.
مفارقة الميدان: تضييق داخلي مقابل مسار تفاوضي
رغم الحديث عن تقدم في مسار السلام، يلفت حزب المساواة وديمقراطية الشعوب إلى تناقض ميداني يتمثل في استمرار عمليات أمنية ضد مجموعات يسارية واشتراكية، وهو ما يعتبره تضييقًا على المجال السياسي والديمقراطي.
وفي بيان أعقب اعتقالات قبيل عيد العمال، حذر الحزب من أن سياسات الضغط والتوقيف تقوّض فرص بناء سلام اجتماعي حقيقي، مؤكدًا أن الحل يكمن في حوار شفاف وشامل، لا في الإجراءات الأمنية.
جذور المبادرة: من دعوة مفاجئة إلى مسار تفاوضي
تعود جذور المبادرة الحالية إلى تشرين الأول/أكتوبر 2024، عندما أطلق زعيم حزب الحركة القومية دولت بهتشلي، الحليف القومي لأردوغان، دعوة مفاجئة لعبد الله أوجلان لإنهاء العمل المسلح، ما فتح الباب أمام اتصالات جديدة.
تسارع المسار بعد زيارة وفد من الحزب الكردي لأوجلان في جزيرة إمرالي في كانون الأول/ديسمبر 2024، تلتها دعوته الرسمية في شباط/فبراير 2025 لنزع السلاح، ثم إعلان الحزب حل نفسه في أيار/مايو من العام ذاته.
فرصة تاريخية مهددة بفجوة الثقة
تكشف التطورات الحالية عن مفارقة دقيقة: فبينما يبدو أن الصراع المسلح يقترب من نهايته من حيث المبدأ، لا تزال الثقة السياسية بين الأطراف هشة.
تعتمد الحكومة على مقاربة أمنية-تدريجية تشترط التحقق أولًا، في حين يطالب الطرف الكردي بإجراءات سياسية سريعة لتعزيز الثقة. هذا التباين قد يحدد مصير العملية برمتها، بين تحول تاريخي نحو تسوية مستدامة أو انتكاسة تعيد الصراع إلى نقطة الصفر.

