في موقف يعكس تصاعد التوتر السياسي بين أنقرة وبروكسل، وجّه وزير الخارجية التركي هاكان فيدان انتقادات لاذعة إلى الاتحاد الأوروبي بسبب استمرار جمود مفاوضات انضمام تركيا، وتعثر تحديث اتفاقية الاتحاد الجمركي.
جاءت هذه التصريحات خلال مؤتمر صحفي مشترك في العاصمة النمساوية فيينا، إلى جانب وزيرة الخارجية النمساوية بياته ماينل-رايسينغر.
فيدان ربط بين التحولات الجيوسياسية الراهنة وحتمية التعاون بين تركيا وأوروبا، مشيرًا إلى أن الحرب في أوكرانيا، والتوترات في الشرق الأوسط، وأمن البلقان، فضلاً عن قضايا التجارة والدفاع، جميعها تفرض واقعًا لا يمكن تجاهل دور تركيا فيه.
تساؤلات حول جدية الاتحاد الأوروبي
طرح فيدان تساؤلات مباشرة حول دوافع الاتحاد الأوروبي في تعطيل مسار العضوية، معتبرًا أن الدور التركي في الحرب الروسية الأوكرانية يبرز أهمية أنقرة كشريك استراتيجي لا غنى عنه. وأكد أن تركيا لا تطالب بعضوية استثنائية أو استثناءات من المعايير، بل تلتزم بمبدأ استيفاء الشروط كمدخل طبيعي للانضمام.
إلا أنه أشار إلى أن الإشكالية الجوهرية لا تكمن في المعايير، بل في غياب الإرادة السياسية داخل الاتحاد الأوروبي للاعتراف بإمكانية انضمام تركيا حتى في حال استيفاء الشروط.
جذور التعطيل: إرث سياسي أوروبي
أعاد فيدان جذور الأزمة إلى تحولات سياسية داخل أوروبا، محمّلًا الرئيس الفرنسي الأسبق نيكولا ساركوزي مسؤولية تقويض الإرادة السياسية التي كانت قائمة في عهد المستشار الألماني الأسبق غيرهارد شرودر والرئيس الفرنسي الأسبق جاك شيراك حين كانت فرص انضمام تركيا أكثر واقعية.
هذا التحول، بحسب فيدان، أدى إلى تجميد فعلي للمفاوضات التي انطلقت رسميًا عام 2005، والتي تعطلت لاحقًا بسبب ملفات خلافية مثل قضية قبرص، وانتقادات أوروبية تتعلق بالتراجع الديمقراطي داخل تركيا، إضافة إلى معارضة بعض الدول الأعضاء.
الاتحاد الجمركي: مصالح اقتصادية معطلة
انتقد فيدان كذلك بطء تحديث اتفاقية الاتحاد الجمركي الموقعة عام 1995، والتي تقتصر على السلع الصناعية ولا تشمل قطاعات حيوية مثل الخدمات والزراعة والمشتريات العامة.
وأشار إلى أن حجم التبادل التجاري بين الجانبين يقترب من 250 مليار دولار، ويتسم بتوازن نسبي دون عجز واضح لأي طرف، مؤكدًا أن تحديث الاتفاقية قد يضاعف هذا الرقم ليصل إلى نحو 500 مليار دولار.
ورغم إقرار الجانبين بالفوائد الاقتصادية الكبيرة للتحديث، يرى فيدان أن العوائق السياسية الداخلية في الاتحاد الأوروبي تمنع اتخاذ خطوات عملية.
معضلة اتخاذ القرار داخل الاتحاد الأوروبي
وجّه فيدان انتقادًا صريحًا لآلية اتخاذ القرار داخل الاتحاد الأوروبي، معتبرًا أنها تتيح لدولة صغيرة عرقلة قرارات تخدم مصالح مئات الملايين. وألمح بشكل واضح إلى قضية قبرص، التي تظل أحد أبرز العوائق أمام تطوير العلاقات.
تركيا لا تعترف بجمهورية قبرص، العضو في الاتحاد الأوروبي، وتدعم جمهورية شمال قبرص التركية التي لا تحظى باعتراف دولي سوى من أنقرة. هذا النزاع، بحسب فيدان، لا يقتصر تأثيره على ملف العضوية، بل يمتد ليعطل التعاون في مجالات الأمن الأوروبي، والبنية التحتية، والتنافسية التجارية، والتحول الرقمي.
إشكالية استراتيجية أم مأزق تكتيكي؟
وصف فيدان هذا الوضع بأنه “مشكلة تكتيكية تعرقل مصلحة استراتيجية كبرى”، مشيرًا إلى أن فشل الاتحاد الأوروبي في تجاوز هذه العقبة يمثل طريقًا مسدودًا يتطلب معالجة داخلية أوروبية بالدرجة الأولى.
بين الواقعية السياسية والرغبة في التقارب
رغم الانتقادات، شدد فيدان على أن السياسة التركية لا تزال قائمة على ضرورة الحفاظ على علاقات إيجابية مع أوروبا، مؤكدًا أن الهدف هو الارتقاء بالعلاقات إلى مستويات أكثر تقدمًا.
تطورات سياقية: إعادة تقييم العلاقات في ظل التحولات الدولية
تأتي هذه التصريحات في سياق أوسع من إعادة تقييم العلاقات بين الطرفين، خاصة بعد تصريحات رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين التي دعت إلى تسريع عملية توسيع الاتحاد الأوروبي لتجنب وقوع القارة تحت نفوذ قوى مثل روسيا وتركيا والصين.
ورغم أن المفوضية الأوروبية وصفت تركيا لاحقًا بأنها “شريك اقتصادي وسياسي لا جدال فيه”، فإن استبعاد أنقرة من قمة غير رسمية لقادة الاتحاد في قبرص أثار تساؤلات حول موقع تركيا في الهيكل الأمني الأوروبي المستقبلي.
شراكة مفروضة بلا أفق سياسي واضح
تكشف تصريحات فيدان عن مفارقة أساسية في العلاقات التركية الأوروبية: فبينما تفرض التحديات الجيوسياسية تعاونًا وثيقًا بين الطرفين، لا تزال الاعتبارات السياسية الداخلية داخل الاتحاد الأوروبي تعرقل تحويل هذا التعاون إلى شراكة مؤسسية متقدمة.
كما تعكس الأزمة عمق التباين بين منطق المصالح الاستراتيجية الذي يدفع نحو التقارب، ومنطق الحسابات السياسية الضيقة التي تبقي العلاقة في حالة “تعليق دائم”.

