شهدت العاصمة التركية أنقرة حراكاً دبلوماسياً استثنائياً باستضافتها قمة حلف شمال الأطلسي “الناتو”، التي ضمت قادة الدول الاثنين والثلاثين الأعضاء، وانتهت بإصدار إعلان تضمن ست فقرات أكدت الالتزام بالدفاع الجماعي، مع الإعلان عن مشتريات دفاعية تتجاوز 50 مليار دولار، وتعهد بتقديم دعم عسكري لأوكرانيا بقيمة 70 مليار يورو في عام 2026.
ورغم هذه الأرقام الضخمة، انبرى فاتح أربكان، زعيم حزب “الرفاه من جديد” الإسلامي المعارض، لتقديم قراءة مغايرة للحدث، معتبراً أن الحكومة ركزت على الهامش الاحتفالي وتجاهلت غياب النتائج الملموسة في الملفات السيادية العالقة.
الاستنزاف المالي والبروتوكولات الاحتفالية مقابل غياب التعهدات
في مراجعته النقدية لأعمال القمة، وجه أربكان اتهامات لاذعة للحكومة بصرف مليارات الليرات على ترتيبات القمة دون انتزاع قرارات ملزمة بشأن العقوبات الأمريكية أو برنامج مقاتلات “إف-35”. وانتقد التركيز الإعلامي الرسمي على التفاصيل البروتوكولية مثل الموسيقى العسكرية العثمانية، وقوائم الطعام، وإعجاب القادة الأجانب بالمرافق الرئاسية، مشيراً بسخرية إلى أن الخطاب الحكومي انشغل بإعجاب رئيسة وزراء أيسلندا بالقصر الرئاسي وودية اللقاء بين أردوغان وترامب، بدلاً من توضيح ما حققته أنقرة فعلياً.
وتشير التقديرات التي طرحها أربكان إلى أن التكلفة الإجمالية للحدث اقتربت من 15 مليار ليرة (ما يعادل 319 مليون دولار)، منها 181 مليون ليرة أُنفقت على لوحات إعلانية وشاشات عرض ستنتهي بانتهاء القمة. وتساءل أربكان عن جدوى ربط تقديم الخدمات لمدينة أنقرة بزيارات القادة الأجانب، متسائلاً عما إذا كان وصول الرئيس الأمريكي شرطاً ضرورياً لتحسين البنية التحتية لسكان العاصمة.
معضلة التسليح: بين وعود ترامب الشفهية والقيود القانونية الأمريكية
فيما يتعلق بالملفات الدفاعية، يرى أربكان أن تركيا “جلست على الطاولة كمضيف وقامت عنها كنادل”، حيث لم تتلقَّ أي التزام قطعي بشأن إعادة دمجها في برنامج “إف-35” أو الحصول على محركات لمقاتلتها الوطنية “كاآن” (KAAN)، فضلاً عن استمرار عقوبات “كاتسا” (CAATSA). وعلى الرغم من تصريح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للصحفيين في 7 يوليو بأن واشنطن ستزيل هذه العقوبات وستنظر في طلب شراء “إف-35″، إلا أنه لم يقدم جدولاً زمنياً أو تفاصيل حول كيفية تجاوز العقبات القانونية في الكونغرس.
وتتجذر هذه الأزمة في شراء أنقرة لمنظومة الدفاع الجوي الروسية “إس-400″، وهو ما أدى لطردها من كونسورتيوم “إف-35” وفرض عقوبات على وكالة المشتريات الدفاعية التركية. ويشترط القانون الأمريكي التخلي عن المنظومة الروسية كلياً قبل العودة للبرنامج، وهو ما تؤكده تصريحات وزير الخارجية هاكان فيدان التي أعقبت القمة، حيث أشار إلى أن المسؤولين الأتراك والأمريكيين لا يزالون يسعون لحل هذه النزاعات، مما يعني عدم التوصل إلى تسوية نهائية خلال الاجتماع. ومع ذلك، سُجل تقدم محدود في ملف محركات “كاآن”، حيث أخطرت إدارة ترامب الكونغرس باقتراح بيع محركات من إنتاج “جي إي إيروسبيس” بقيمة تتجاوز 700 مليون دولار، ومرت فترة المراجعة دون اعتراض المشرعين، وإن كانت الخطوة لا تزال تتطلب مفاوضات فنية وتجارية.
التناقض في المشهد الداخلي: قمع الاحتجاجات والملف الفلسطيني
على الصعيد الداخلي، أثار أربكان قضية التضييق الأمني الذي سبق القمة، حيث شنت الشرطة حملة اعتقالات طالت 225 شخصاً في يونيو، أمرت المحاكم بسجن 178 منهم، وشملت هذه الاعتقالات ناشطين كانوا يخططون للتظاهر دعماً للفلسطينيين. واعتبرت المعارضة أن منع التظاهر والتعامل الأمني مع المحتجين يتناقض بشكل صارخ مع الانتقادات العلنية التي يوجهها أردوغان للعمليات العسكرية الإسرائيلية في غزة.
وبينما بررت الحكومة هذه الإجراءات بأنها تحقيقات ضد منظمات محظورة وليست قمعاً للمعارضة السلمية، استمرت الملاحقات الأمنية لتشمل اعتقال أكثر من 100 شخص إضافي خلال مسيرة مناهضة للناتو قبيل انطلاق القمة.
الأفق الاستراتيجي البديل: من التبعية للناتو إلى الريادة الإسلامية
دعا أربكان في ختام رؤيته إلى ضرورة تقليل الاعتماد على حلف الناتو، منتقداً ما وصفه بـ”سياسة الخضوع”. وطرح بدلاً من ذلك تفعيل مجموعة “الثماني النامية” (D-8) التي أسسها والده نجم الدين أربكان، والعمل على مشروع “D-60” الذي يهدف لتعزيز التعاون الاقتصادي بين الدول ذات الغالبية المسلمة. وتعكس هذه المواقف رغبة حزب “الرفاه من جديد” في استقطاب القاعدة الانتخابية الدينية المحافظة التي تشعر بعدم الرضا عن سياسات حزب العدالة والتنمية، مما يجعله منافساً جدياً في المشهد السياسي التركي المستقبلي.

