تكشف البيانات الرسمية الصادرة عن الوكالة الوطنية التركية عن مفارقة مالية وسياسية لافتة، حيث حظيت مؤسستان مرتبطتان بشكل مباشر بعائلة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بموافقة للحصول على منح من الاتحاد الأوروبي تصل قيمتها الإجمالية إلى نحو ٢.٢٨ مليون يورو (ما يعادل ٢.٦٥ مليون دولار) خلال الفترة الممتدة من عام ٢٠٢٠ وحتى ٢٠٢٥.
تأتي هذه التدفقات المالية في وقت يتبنى فيه الخطاب الرسمي للحكومة التركية نبرة حادة تجاه التمويل الأجنبي الموجه لوسائل الإعلام المستقلة ومنظمات المجتمع المدني، مصوراً إياها كتهديد للأمن القومي.
أذرع عائلية في قلب التمويل الأوروبي
تتصدر “وقف شباب تركيا” (TÜGVA) و”وقف الخدمة الشبابية والتعليمية التركي” (TÜRGEV) المشهد التمويلي لهذه المنح؛ إذ نالت الأولى موافقات بقيمة إجمالية بلغت ١,٢٧٠,٥٦٨ يورو، بينما تأهلت الثانية للحصول على ١,٠٠٧,٨٦٨ يورو خلال ذات الفترة. وتتجلى الروابط الوثيقة مع هرم السلطة في وجود بلال أردوغان، نجل الرئيس، في المجلس الاستشاري الأعلى لوقف شباب تركيا الذي يضم أيضاً مسؤولين حكوميين وشخصيات من حزب العدالة والتنمية، بينما تشغل إسراء ألبيرق، ابنة الرئيس، عضوية مجلس إدارة وقف الخدمة الشبابية والتعليمية الذي تأسس عام ١٩٩٦ تحت قيادة أردوغان إبان توليه رئاسة بلدية إسطنبول.
توزعت هذه المبالغ بحدودها القصوى على مدار السنوات، حيث بلغت منح” توجفا “ذروتها في عامي ٢٠٢١ و٢٠٢٥ بمبالغ ناهزت ٤٢٢ ألف يورو و٢٦٢ ألف يورو على التوالي. أما “تورجيف”، فقد شهدت استقراراً في مستويات التمويل المعتمدة، مع قفزة ملحوظة في عام ٢٠٢٥ وصلت إلى ٢٥١,٥٣١ يورو. وشملت مشاريع عام ٢٠٢٥ برامج للتنقل الشبابي ضمن مبادرة “إيراسموس+”، بالإضافة إلى مبادرات سابقة متنوعة مثل “مؤتمر تركيا الشابة” و”من الأناضول إلى أوروبا” و”مقهى اللغات الرقمي”.
آليات المنح وشبكة المستفيدين من التيار الموالي
تنساب هذه الأموال عبر برامج “إيراسموس+” و”فيلق التضامن الأوروبي”، وهي قنوات مخصصة لدعم التعليم والتدريب والتبادل الشبابي والعمل التطوعي. وبالرغم من أن تركيا ليست عضواً في الاتحاد الأوروبي، إلا أنها تشارك كدولة مرشحة مرتبطة بالبرنامج، مما يمنح منظماتها حق الوصول الكامل لجميع الأنشطة. وتتولى الوكالة الوطنية التركية، التابعة لمديرية شؤون الاتحاد الأوروبي بوزارة الخارجية، مسؤولية تقييم الطلبات وإدارة البرامج محلياً.
ولا تقتصر دائرة المستفيدين على عائلة الرئيس فحسب، بل تمتد لتشمل شبكة أوسع من الكيانات الموالية للحكومة، حيث تُقدر قيمة المنح المعتمدة لهذه المجموعة بنحو ٣ ملايين يورو. ومن أبرز هذه الجهات مركز الأبحاث السياسية والاقتصادية والاجتماعية (SETA) بحد أقصى بلغ ٦٩,١٥٩ يورو، ووقف الديانة التركي بتمويل قدره ٥٢,٨٠٠ يورو، ووقف “أنصار” (Ensar) الذي حصل على ٦٨,٨٦٦ يورو، إضافة إلى جمعيات تمثل خريجي مدارس الأئمة والخطباء الرسمية، وأخرى مرتبطة بشبكة “خيرات” الدينية.
تحليل التناقض بين الخطاب السياسي والواقع المالي
تبرز هذه البيانات فجوة عميقة بين الممارسة المؤسسية والخطاب السياسي العام؛ ففي حين تستفيد الكيانات المقربة من السلطة من المنح الأوروبية، دأب المسؤولون الأتراك على مهاجمة التمويل الخارجي. ففي يوليو ٢٠٢١، وصف فخر الدين ألتون، مدير الاتصالات الرئاسية، المؤسسات الإعلامية التي تتلقى دعماً أجنبياً بأنها عمليات محتملة لـ “طابور خامس”، مطالباً بتشريعات لمراقبتها.
هذا التناقض يكتسي أبعاداً أكثر تعقيداً عند النظر إلى حالة مركز “سيتا”، الذي تلقى تمويلاً أوروبياً رغم نشره تقريراً في عام ٢٠١٩ استهدف الصحفيين العاملين في وسائل إعلام دولية، وحلل نشاطهم على وسائل التواصل الاجتماعي، متهماً إياهم بتبني تغطية معادية لتركيا، وهو ما اعتبرته المنظمات الحقوقية بمثابة “قائمة سوداء”.
التطورات التشريعية والمناخ الحقوقي
في سياق محاولات التضييق، سعى حزب العدالة والتنمية لطرح مشروع قانون “عملاء التأثير”، وهو إجراء حذرت جماعات حقوقية من أنه قد يعرض الصحفيين والناشطين الذين يعملون مع مؤسسات أجنبية لعقوبات بالسجن. ومع ذلك، أدت المعارضة الشعبية والحقوقية الواسعة إلى سحب هذا المقترح من البرلمان في نوفمبر ٢٠٢٤.
إن هذا المشهد يشير إلى حالة من الازدواجية؛ حيث يُوظف التمويل الأوروبي لتعزيز نفوذ المؤسسات الحليفة للسلطة تحت لافتة البرامج التنموية والشبابية، بينما يُستخدم ذات التمويل كذريعة لتخوين المعارضة والمجتمع المدني المستقل، مما يضع مصداقية المعايير المتبعة في إدارة هذه المنح تحت مجهر النقد.

