أحدث تقرير البرلمان الأوروبي لعام ٢٠٢٥ حول تركيا هزّة سياسية غير مسبوقة في أروقة أنقرة، متجاوزاً في دلالاته مجرد النقد التقليدي ليضع العلاقة بين الجانبين على مفترق طرق حقيقي. ومع أن رد الفعل التركي الغاضب تركز في ظاهره على التلويح بفرض عقوبات أوروبية على وزير العدل الحالي، أكين غورليك، إلا أن الجوهر يكمن في تحول عميق في الرؤية الأوروبية تجاه الدولة التركية، التي باتت تُصنف ضمن نماذج الحكم السلطوية المتزايدة.
تحول النموذج: من حوادث معزولة إلى نهج مؤسسي
لم يعد الاتحاد الأوروبي ينظر إلى الانتهاكات المسجلة في تركيا بوصفها وقائع منفصلة أو أخطاء قضائية عابرة، بل بات يراها أجزاءً من صورة كبرى لتعزيز السلطوية. ويشير التقرير بوضوح إلى أن القضاء التركي قد تحول من سلطة مستقلة تراقب التغول التنفيذي إلى أداة لترسيخ السياسات الحكومية وتصفية المعارضة السياسية. هذا التحول يتجسد في شخصية وزير العدل أكين غورليك، الذي ارتبط اسمه بملفات قضائية شائكة استهدفت قادة المعارضة والبلديات التي يديرها حزب الشعب الجمهوري، مما جعل منه رمزاً بالنسبة لبروكسل على تسييس العدالة.
التمرد على المرجعيات القانونية العليا
تعاني المنظومة القضائية التركية من شرخ مزدوج؛ الأول خارجي يتمثل في تجاهل أحكام المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، والثاني داخلي يكمن في الصدام غير المسبوق بين المحاكم الدنيا والمحكمة الدستورية العليا. تبرز قضية رجل الأعمال عثمان كافالا والسياسي الكردي صلاح الدين دميرتاش كأمثلة صارخة على تحدي أنقرة لستراسبورغ، وهو ما تراه أوروبا تهديداً مباشراً لسلطة النظام الحقوقي الأوروبي الذي تُعد تركيا جزءاً تعاهدياً منه.
إضافة إلى ذلك، جاء حكم “يلتشين كايا” الصادر عن الغرفة الكبرى للمحكمة الأوروبية ليعري آليات الملاحقة الجماعية التي تلت محاولة الانقلاب الفاشلة عام ٢٠١٦، حيث أكدت المحكمة أن مجرد استخدام تطبيقات مراسلة معينة أو العضوية في نقابات قانونية لا يمكن اعتباره دليلاً تلقائياً على الإرهاب. ومع ذلك، لا تزال أنقرة تحجم عن اتخاذ خطوات تصحيحية شاملة، مما يضعها في وضع الدولة التي تقبل المعاهدات شكلياً وتفرغها من محتواها عملياً.
تصدع القلعة الداخلية: قضية “جان أتالاي” نموذجاً
لم يعد الخطر يهدد التزامات تركيا الدولية فحسب، بل امتد لضرب مبدأ “اليقين القانوني” في الداخل. ويُعد ملف النائب المعتقل “جان أتالاي” تجسيداً لهذا الانهيار، حيث رفضت المحاكم الأدنى تنفيذ قرارات المحكمة الدستورية التي قضت بانتهاك حقوقه، مما خلق صراعاً قضائياً غير مسبوق في التاريخ التركي الحديث. بالنسبة للمراقب الأوروبي، فإن غياب ضمانة تنفيذ قرارات المحاكم العليا يعني ببساطة أن المواطن لم يعد بإمكانه الاعتماد على النظام القانوني لحمايته من تعسف السلطة.
مفارقة الجغرافيا السياسية والمبادئ الديمقراطية
تراهن أنقرة دوماً على ثقلها الجيوسياسي، مستندة إلى دورها المحوري في حرب أوكرانيا، وأمن الطاقة الأوروبي، وإدارة ملف الهجرة، واستقرار البحر الأسود. ورغم اعتراف بروكسل بهذه الأهمية، إلا أن التقرير الجديد يكرس فصلاً واضحاً بين مسار التعاون الاستراتيجي ومسار التقييم الديمقراطي. العلاقة بين الطرفين تنزلق نحو “البراغماتية النفعية” الخالية من الثقة السياسية التي كانت تميز عملية الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، وهو ما يعني أن الأهمية الاستراتيجية لتركيا لن تمنحها حصانة ضد النقد الحقوقي اللاذع.
ما وراء العقوبات: معضلة السمعة الدولية
إن الخطر الحقيقي الذي تواجهه تركيا ليس في احتمالية فرض عقوبات فورية على أفراد، بل في “الضرر المعنوي” والسمعة الدولية المتدهورة. فالدولة التي كانت يوماً نموذجاً للإصلاح الديمقراطي الواعد، باتت تُذكر في الدوائر السياسية الأوروبية جنباً إلى جنب مع دول مثل روسيا وبيلاروسيا وإيران عند الحديث عن استقلال القضاء. هذا التآكل في المصداقية سينعكس حتماً على ملفات حيوية مثل تحديث الاتحاد الجمركي، وتحرير تأشيرات الدخول، وجذب الاستثمارات الأجنبية، إذ تظل البيئة القانونية المستقرة هي الضمانة الأولى لأي شراكة مستدامة.
خلاصة
يؤكد تقرير البرلمان الأوروبي أن أزمة سيادة القانون في تركيا لم تعد مجرد خلافات قانونية عابرة، بل هي تحول بنيوي يضع القضاء في خدمة السياسة، مما يهدد بتقويض أسس العلاقة المؤسسية مع أوروبا وتحويلها إلى مجرد تعاون أمني مصلحي يفتقر للقيم المشتركة.

