وجّه رئيس محكمة التمييز السابق في تركيا، سامي سلجوق، انتقادات لاذعة إلى ممارسات القضاء، محذّراً من أن النهج السائد في إدارة المحاكمات بات سبباً رئيسياً في إنتاج أخطاء قضائية جسيمة.
وفي تقييم عبر مقاله بموقع (T24) التركي الإخباري، اعتبر أن تركيا تُعد، وفق قناعته، من بين الدول التي تشهد معدلات مرتفعة من “الأخطاء القضائية”، وهو توصيف يعكس عمق الأزمة التي يراها داخل بنية النظام القضائي.
اختلال جوهري في إدارة الجلسات القضائية
يركّز سلجوق في انتقاداته على مرحلة الجلسات (المرافعات)، بوصفها الركيزة الأساسية لأي محاكمة عادلة، مشيراً إلى أنها تُدار في كثير من الأحيان بطريقة لا تنسجم مع المبادئ الكونية للقانون. ويرى أن هذه الجلسات فقدت جوهرها بوصفها فضاءً للنقاش القانوني الحقيقي، وتحولت إلى إجراءات شكلية يغلب عليها التكرار والجمود.
ويؤكد أن هذا النمط يُضعف قدرة المحاكم على الوصول إلى قرارات سليمة، إذ إن غياب النقاش الفعلي وتبادل الحجج القانونية ينعكس مباشرة على جودة الأحكام الصادرة.
لغة قضائية نمطية تُفرغ العدالة من مضمونها
ينتقد سلجوق الاستخدام المفرط لعبارات نمطية داخل المحاكم، مثل الصيغة الشائعة التي تُختتم بها الجلسات، معتبراً أن هذه اللغة لا تعبّر عن عملية قانونية دقيقة، بل تعكس اختزالاً مقلقاً لمسار المحاكمة. ويشدد على أن لكل مرحلة قضائية لغتها الخاصة ومنهجها المنضبط، وأن الإخلال بهذه الخصوصية يُفضي إلى تدهور المعايير المهنية داخل القضاء.
إشكالية التدوين الشكلي وإثبات ما لم يحدث
من أخطر الممارسات التي أشار إليها، إدراج عبارات في محاضر الجلسات تفيد بقراءة مستندات أو إجراءات لم تتم فعلياً، مثل تسجيل “تمت قراءة المحاضر السابقة”، رغم عدم حدوث ذلك على أرض الواقع. ويرى أن هذه الممارسة لا تمثل مجرد خلل إداري، بل تحمل تبعات قانونية خطيرة، لأنها تُنشئ واقعاً إجرائياً غير مطابق للحقيقة.
ويحذّر من أن الاعتماد على مثل هذه الصيغ الشكلية يقوّض الثقة في العدالة، ويجعل من الصعب ضمان نزاهة الإجراءات أو الطعن فيها بشكل فعّال.
دعوة مفتوحة إلى أهل القانون: إلى متى الصمت؟
وجّه سلجوق نداءً مباشراً إلى القضاة ورجال القانون، متسائلاً عن مدى الاستمرار في القبول بهذا النموذج من المحاكمات الذي يعود، بحسب وصفه، إلى أكثر من قرن. وتساءل بنبرة احتجاجية عن أسباب الصمت المهني إزاء ما يراه تراكمات من الظلم والمعاناة الناتجة عن هذه الممارسات.
وتتضمن دعوته حثاً صريحاً على مراجعة هذا الإرث القضائي، وعدم الاكتفاء بالتعايش معه، في إشارة إلى ضرورة تحرك داخلي من داخل المؤسسة القضائية نفسها.
السياق الأوسع: جدل مستمر حول استقلال القضاء ومعاييره
تأتي تصريحات سلجوق في سياق نقاش متواصل داخل تركيا وخارجها حول معايير العدالة واستقلال القضاء، خاصة في ظل الانتقادات المتكررة التي توجهها جهات حقوقية دولية بشأن إجراءات المحاكمات وحقوق الدفاع.
وتعكس هذه المواقف، الصادرة عن شخصية قضائية رفيعة سابقة، وجود تيار نقدي من داخل المنظومة نفسها، يطالب بإصلاحات عميقة تتجاوز الجوانب الشكلية نحو إعادة تعريف وظيفة المحاكمة كعملية بحث حقيقي عن العدالة.
دلالات التصريحات وآفاق الإصلاح
تكشف هذه الانتقادات عن إشكالية بنيوية تتعلق بثقافة التقاضي، وليس فقط بالممارسات الفردية. فالإشارة إلى “نمط متوارث” من إدارة الجلسات توحي بأن التحدي يكمن في تغيير الذهنية القضائية بقدر ما هو في تعديل القواعد الإجرائية.
كما أن الدعوة الموجهة إلى “الاستيقاظ” تحمل دلالة على أن الإصلاح، في نظر سلجوق، لا يمكن أن يأتي من الخارج فقط، بل يتطلب إرادة داخلية من القضاة أنفسهم لإعادة بناء الثقة في العدالة.
خلاصة
سامي سلجوق يقدّم نقداً جذرياً لمنظومة المحاكمات في تركيا، معتبراً أن الشكلية والجمود الإجرائي يفتحان الباب أمام أخطاء قضائية واسعة. دعواته تعكس حاجة ملحّة لإصلاح عميق ينطلق من داخل المؤسسة القضائية ويستهدف جوهر العملية القضائية لا شكلها فقط.

