أظهرت نتائج استطلاع حديث أجرته مؤسسة “متروبول” للأبحاث في مايو 2026 أن غالبية واضحة من المجتمع التركي تعارض السيناريو الذي يقضي بإعادة كمال كليتشدار أوغلو إلى رئاسة حزب الشعب الجمهوري بقرار قضائي. ويكتسب هذا الاستطلاع أهمية خاصة كونه أُجري قبل صدور الحكم القضائي المتعلق بإلغاء مؤتمر الحزب بدعوى “البطلان المطلق”.
وقد طُرح على المشاركين سؤال مباشر حول مدى تأييدهم لقرار قضائي محتمل يقضي بإلغاء مؤتمر الحزب وإعادة كليتشدار أوغلو إلى منصب رئيس الحزب، فجاءت النتائج معبّرة عن رفض غالب من الرأي العام لهذا المسار.
توزيع المواقف: أغلبية رافضة مقابل أقلية مؤيدة
أظهرت البيانات أن نسبة المعارضين بلغت 62.1% من المشاركين، مقابل 27% أبدوا تأييدهم لهذا الاحتمال، في حين اختار 10.9% عدم التعبير عن رأي واضح أو أفادوا بعدم امتلاكهم موقفاً محدداً.
وأشار مدير المؤسسة، أوزر سنجار، إلى أن الاستطلاع نُفذ قبل إعلان القرار القضائي، ما يعني أن هذه الأرقام قد تكون عرضة للتغير بعد صدور الحكم وتفاعل الرأي العام معه.
مقارنة زمنية: تغير محدود في الاتجاهات
عند مقارنة هذه النتائج باستطلاع سابق أُجري في سبتمبر 2025 حول السؤال ذاته، يتضح وجود تحولات طفيفة في المواقف. فقد ارتفعت نسبة المؤيدين من 24% إلى 27%، بينما انخفضت نسبة المعارضين من 64.3% إلى 62.1%. كما تراجعت نسبة المترددين أو غير المجيبين من 11.7% إلى 10.9%.
هذه التغيرات المحدودة تشير إلى ثبات نسبي في المزاج العام، مع ميل طفيف نحو زيادة القبول، دون أن يغيّر ذلك من الغالبية الرافضة.
مفارقة لافتة: قاعدة الحزب نفسها تعارض
من أبرز ما كشفه الاستطلاع أن الرفض لا يقتصر على عموم المجتمع، بل يمتد بقوة إلى داخل القاعدة الانتخابية لحزب الشعب الجمهوري نفسه. فقد أظهرت النتائج أن 74.5% من الناخبين الذين صوتوا للحزب في انتخابات 14 مايو 2023 يعارضون عودة كليتشدار أوغلو بهذا الشكل، مقابل 20.4% فقط يؤيدون ذلك.
هذا المعطى يعكس فجوة واضحة بين جزء كبير من القاعدة الحزبية والسيناريو القضائي المطروح، ويطرح تساؤلات حول شرعية أي عودة مفروضة من خارج الآليات التنظيمية الداخلية.
الانقسام وفق الانتماءات الحزبية
تكشف نتائج الاستطلاع أيضاً عن تباين واضح في المواقف بحسب التوجهات السياسية للناخبين. فقد سجّل ناخبو حزب العدالة والتنمية أعلى نسبة تأييد لعودة كليتشدار أوغلو، حيث بلغت 54.4%، تلاهم ناخبو حزب الحركة القومية بنسبة 46.1%. أما ناخبو حزب الشعوب الديمقراطي (DEM) فقد بلغت نسبة التأييد بينهم 35.8%، في حين كانت الأدنى لدى ناخبي حزب الجيد عند 9.9%.
في المقابل، تصدّر ناخبو حزب الجيد قائمة الرافضين بنسبة 81.9%، تلاهم ناخبو حزب الشعب الجمهوري بنسبة 74.5%، ثم ناخبو أحزاب أخرى بنسبة 65.1%، وأخيراً ناخبو الحزب الكردي بنسبة 58.9%.
منهجية الدراسة ونطاقها
أُجري الاستطلاع بين 9 و16 مايو 2026، وشمل عينة مكونة من 2123 مشاركاً موزعين على 26 منطقة في عموم تركيا. واعتمدت الدراسة على أسلوب المقابلات الهاتفية المدعومة بالحاسوب (CATI)، مع هامش خطأ مقدر ضمن مستوى ثقة 95% يبلغ ±2.76 نقطة.
أزمة شرعية متعددة المستويات
تعكس هذه النتائج تعقيد المشهد داخل المعارضة التركية، حيث تتداخل الأبعاد القانونية مع الاعتبارات السياسية والشعبية. فرفض شريحة واسعة من المجتمع، بما في ذلك القاعدة التقليدية للحزب، يشير إلى حساسية فكرة إعادة القيادة عبر مسار قضائي، بدلاً من آليات ديمقراطية داخلية.
كما أن ارتفاع نسبة التأييد داخل قواعد أحزاب منافسة، مقابل انخفاضها داخل الحزب نفسه، قد يُفسَّر على أنه مؤشر إلى حسابات سياسية تتجاوز حدود الحزب، وربما تعكس رغبة لدى بعض الأطراف في استمرار وضع قيادي معين داخل المعارضة.
في ضوء ذلك، تبدو مسألة الشرعية هنا مزدوجة: قانونية من جهة، وشعبية وتنظيمية من جهة أخرى، وهو ما قد يفاقم من حدة الجدل داخل الحزب في المرحلة المقبلة.
خلاصة
يكشف استطلاع متروبول عن رفض واسع، حتى داخل قاعدة حزب الشعب الجمهوري، لفكرة إعادة كليتشدار أوغلو بقرار قضائي، رغم وجود تأييد نسبي من خارج الحزب. النتائج تعكس أزمة شرعية مركبة بين القانون والسياسة، وقد تنذر بتصاعد الانقسام داخل المعارضة التركية.

