تحت ظلال مؤسسات الاتحاد الأوروبي في مدينة ستراسبورغ الفرنسية، تعالت أمس الأربعاء صرخات الآلاف في تظاهرة حقوقية حاشدة، مثلت النسخة الخامسة من “مسيرة العدالة” السنوية التي تنظمها منصة “الأفعال السلمية”.
هذا الحشد، الذي تجاوز قوامه خمسة آلاف مشارك من مختلف أنحاء القارة الأوروبية، لم يكن مجرد تجمع احتجاجي، بل كان بياناً عملياً يضع مصداقية الهيئات الحقوقية الأوروبية على المحك، مطالباً إياها بالانتقال من مربع “الإدانة الكلامية” إلى حيز “الإجراءات الملموسة” رداً على استمرار أنقرة في تجاهل أحكام المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان.
أحكام ملزمة أم مجرد توصيات: مأزق الامتثال التركي
تتمحور المطالب الجوهرية لهذا الحراك حول مبدأ قانوني لا يقبل التأويل: أحكام المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان هي التزامات واجبة النفاذ وليست مجرد استشارات اختيارية. وقد رفع المتظاهرون لافتات تطالب بالحرية الفورية لرموز مدنية وسياسية بارزة، وعلى رأسهم الناشط عثمان كافالا، والسياسي الكردي صلاح الدين دميرطاش، بالإضافة إلى عشرات الآلاف من المفصولين من وظائفهم بشكل غير قانوني في إطار حملات التصفية الجماعية التي أعقبت محاولة الانقلاب المثيرة للجدل في ٢٠١٦.
وفي هذا السياق، عبر الناشط الحقوقي ونجم كرة السلة السابق، أنس كانتر فريدوم، عن سأم الضحايا من عبارات “القلق والإدانة”، مؤكداً أن الهدف ليس استهداف الدولة التركية ككيان، بل مواجهة النظام الذي يزج بالأمهات والمعلمين والأطفال في السجون.
قضية “يالتشينكايا” وتجريم الأنشطة المشروعة
شكلت قضية المعلم يوكسل يالتشينكايا حجر الزاوية في خطاب المحتجين، حيث تعكس بوضوح أزمة القضاء التركي؛ فبالرغم من صدور حكم من الغرفة الكبرى للمحكمة الأوروبية عام 2023 يقضي بانتهاك حقوقه في المحاكمة العادلة، إلا أن المحاكم التركية أعادت إدانته مجدداً.
وتشير التقارير الحقوقية إلى أن القضاء التركي بات يستخدم أنشطة يومية مشروعة — مثل إيداع الأموال في بنوك قانونية، أو الاشتراك في صحف معينة، أو استخدام تطبيقات مراسلة مثل “بايلوك” — كأدلة كافية للإدانة بتهم الإرهاب. وتكمن الخطورة في أن هذه الممارسات ليست حالات معزولة، بل هي “مشكلة نظامية” تمس آلاف القضايا المنظورة أمام المحكمة الأوروبية والقضاء المحلي.
توسع دائرة الاستهداف: من التطهير الوظيفي إلى المعارضة السياسية
لم تعد أزمة سيادة القانون في تركيا محصورة في جماعة بعينها، بل امتدت لتشمل كافة أطياف المعارضة؛ فمنذ محاولة الانقلاب الفاشلة عام 2016، شملت حملات التطهير أكثر من 130 ألف موظف عمومي، وصدرت أحكام بالإدانة ضد ما يزيد عن 126 ألف شخص بتهمة الارتباط بحركة الخدمة المعروفة إعلاميا بحركة كولن.
واليوم، يرى المراقبون أن هذه الآلية القمعية طالت العمل السياسي الديمقراطي، حيث أشار البرلماني البريطاني جيمس ماكليري إلى أن اعتقال رئيس بلدية إسطنبول، أكرم إمام أوغلو، في مارس 2025، والضغوط التي أدت إلى إطاحة قيادة حزب الشعب الجمهوري المعارض، تمثل هجوماً مباشراً على الإرادة الشعبية وسعياً لتصفية المنافسين السياسيين عبر البوابة القضائية.
الوجه الإنساني للأزمة: شهادات عن التعذيب والشتات
خلف الأرقام والمصطلحات القانونية، تكمن مآسٍ إنسانية وثقتها الأكاديمية الأمريكية صوفيا بانديا، التي استعرضت شهادات لضحايا تعرضوا للتعذيب والعنف الجنسي وظروف الحبس القاسية. كما تخللت الفعالية عروض فنية جسدت معاناة الأطفال المنفصلين عن ذويهم المعتقلين، مستحضرة قصة الطفل “أحمد برهان أتاش”، الذي توفي بمرض السرطان وهو ينتظر لقاء والده السجين. هذه القصص تؤكد أن الانتهاكات لم تقتصر على سلب الحرية، بل امتدت لتطال الحق في الحياة والرعاية الصحية وحقوق الطفل الأساسية.
التوازنات الجيوسياسية وميزان الحقوق والحريات
يواجه الضغط الحقوقي عقبات جيوسياسية معقدة؛ حيث يرى المحللون، ومنهم المؤرخ الهولندي إيوت كلي، أن حاجة الغرب لتركيا كحليف في حلف “الناتو” ودورها المحوري في سياق الحرب الروسية الأوكرانية، قد يضعف من حزم المؤسسات الأوروبية في ملف حقوق الإنسان. ومع ذلك، يصر البرلمانيون الأوروبيون، مثل ميكائيل بلوس وكاتلين فان بريمبت، على أن تجاهل أحكام القضاء الأوروبي يجعل من المستحيل المضي قدماً في أي محادثات لانضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي، مشددين على أن الصمت أمام “المستبدين” هو بمثابة خذلان للقيم الأوروبية المشتركة.
خلاصة
تمثل مسيرة ستراسبورغ الخامسة صرخة دولية مدوية للمطالبة بإنهاء “الحصانة القضائية” لانتهاكات حقوق الإنسان في تركيا، والتشديد على أن تسييس القضاء لم يعد يهدد الأفراد فحسب، بل ينسف أسس الديمقراطية والالتزامات الدولية لأنقرة.

