شهدت تركيا تصعيدًا غير مسبوق بين السلطة القضائية والإعلام الموالي للحكومة، بعد أن وجّه رئيس الدائرة الحادية عشرة في محكمة التمييز، عبد الله يامان، هجومًا شديد اللهجة على صحيفة “يني شفق“ المقرّبة من حزب العدالة والتنمية، متهمًا إياها بشنّ حملة “تشويه منسقة” ضده بسبب رفضه التواطؤ مع مصالح غير مشروعة.
جاء رد يامان عبر منشور مطوّل على صفحته في “فيسبوك”، وصف فيه الصحيفة بـ”عصابة يني شفق”، واتهمها بالافتراء والتشهير في إطار ما أسماه “محاولة اغتيال معنوية ممنهجة” تستهدف سمعته المهنية والشخصية، وذلك بعدما اتهمته الصحيفة بـ”الارتباط بحركة الخدمة”، الذي تحول إلى تهمة جاهزة تستخدمة في تصفية الحسابات.
رد حاد من داخل المؤسسة القضائية
في بيانه، شدّد يامان على أنه خدم في سلك القضاء منذ عام 1987 دون الانتماء لأي جهة أو خضوع لأي مركز نفوذ، مؤكدًا أن مسيرته القضائية اتسمت بالاستقلالية والنزاهة، وأنه حرص على حماية العدالة وحقوق المواطنين “بعيدًا عن المساومات”.
واعتبر أن ما يتعرّض له من حملة تشويه على يد صحيفة “يني شفق” المملوكة لأحمد ألبيراق، أحد أقارب الرئيس رجب طيب أردوغان، هو “ثمن رفضه تمكين فئات نافذة من الاستيلاء على أموال بطرق محرّمة”، متهماً الصحيفة ومن يقف وراءها بالسعي إلى الانتقام منه عبر “الأكاذيب والدعايات الرخيصة”.
وأشار إلى أن دائرته في محكمة التمييز تنظر في قضايا تجارية كبرى تتعلق بمبالغ ضخمة، ما يجعله عُرضة لمحاولات الضغط والتأثير. وأضاف أن نزاهة القاضي أصبحت في تركيا “صفة استثنائية تُقابل بالاستغراب”، في إشارة إلى تفشي الفساد داخل مؤسسات الدولة.
اتهامات متبادلة ودعوة إلى تدخل الدولة
يامان لم يكتفِ بالدفاع عن نفسه، بل دعا صراحةً أجهزة الدولة إلى فتح تحقيق رسمي يشمل سجلاته الهاتفية (HTS) وحساباته المصرفية وكاميرات المراقبة في محيط عمله، معلنًا استعداده لتحمّل المسؤولية العلنية في حال ثبوت أي من الاتهامات الواردة في تقرير الصحيفة.
وحذّر من أن استمرار مثل هذه الحملات الإعلامية “سيشكّل مساسًا مباشرًا بهيبة الدولة نفسها”، معتبرًا أن “انهيار هيبة العدالة هو بداية سيطرة العصابات الإعلامية والمصالح الفاسدة”.
لغة حادة واستقطاب سياسي متجدد
في منشوره الذي حمل نبرة غير معتادة من قاضٍ رفيع، استخدم يامان عبارات لاذعة ضد الصحيفة ووصفها بـ”العصابة المنافقة”، مضيفًا أن أفرادها “يتسترون بالدين لتحقيق مكاسب شخصية”. كما انتقد بشدة من وصفهم بـ”الذباب الإلكتروني المحافظ” الذين ساهموا في “التحريض ضده دون وعي”، داعيًا هؤلاء إلى مراجعة مواقفهم.
وشدّد على أن هذه الهجمة تأتي في وقت بالغ الحساسية، حيث يزداد الضغط على القضاء التركي في ظل تراجع ثقة الرأي العام باستقلاليته، وتنامي نفوذ وسائل الإعلام المقرّبة من السلطة التنفيذية في توجيه الرأي العام والقضاء على الخصوم.
انعكاسات أعمق على العلاقة بين القضاء والإعلام
تُعدّ هذه الأزمة من بين أبرز المؤشرات على تصاعد التوتر داخل مؤسسات الدولة التركية بين جناح قضائي يسعى للحفاظ على استقلاليته، وأذرع إعلامية تتهم بالتبعية للحكومة وتوظيف حملاتها لتصفية حسابات اقتصادية وسياسية.
ويأتي ذلك في سياق أوسع من الجدل حول هيمنة السلطة التنفيذية على مؤسسات العدالة، خاصة بعد التعديلات الدستورية التي وسّعت صلاحيات الرئيس رجب طيب أردوغان وأضعفت الضمانات القضائية.

