مثل الشيخ ألب أرسلان كويتول، مؤسس جماعة “الفرقان” التركية المعارضة، أمام المحكمة للدفاع عن نفسه في مواجهة اتهامات جديدة تتعلق بتأسيس وإدارة “منظمة إجرامية”.
وفي إفادة قضائية مفصلة، رفض كويتل كافة التهم الموجهة إليه، واصفاً إياها بأنها محاولة حكومية ممنهجة لتكميم الأصوات الناقدة وإخضاع الجماعات الدينية المستقلة، كما اتهم القاضي قائلا: “أنت لست قاضيًا، بل خادم القصر”، على حد تعبيره.
تغريدة استباقية تثير الشبهات حول دوافع الاعتقال
استند كويتول في إثبات ما وصفه بـ”الخلفية السياسية” للقضية إلى تتبع زمني دقيق للإجراءات الأمنية المتخذة ضده. وأشار إلى قيام كبير مستشاري الرئاسة أوكتاي سارال بنشر تغريدة عبر منصة إكس (تويتر سابقاً) في الثامن عشر من أغسطس/آب في تمام الساعة الثانية عشرة وأحد عشر دقيقة بعد منتصف الليل، جاء فيها تحذير مباشر مفاده أن “دوره قد اقترب ولم يتعلم الدرس بعد”. وأكد كويتل أن قوات الأمن أقدمت على مداهمة منزله ومنازل رفاقه بعد مرور نحو يوم ونصف فقط من نشر تلك التغريدة، معتبراً ذلك دليلاً قاطعاً على التنسيق السياسي المسبق لإطلاق الحملة الأمنية.
مبدأ الازدواجية القانونية وتكرار المحاكمة
وفي تفنيده للائحة الاتهام، أوضح كويتول أن القضية الحالية لا تنطوي على أي وقائع جديدة، بل هي نتاج عملية دمج واقتباس مباشر من ملفين سابقين تم النظر فيهما وتفنيدهما أمام المحكمتين الجنائيتين الرابعة والثامنة في أضنة. وشدد على عدم قانونية إعادة محاكمته على ذات التهم التي سُجن بسببها مرتين في وقت سابق، متسائلاً عن الجدوى القانونية لإعادة فتح ملفات قضائية حُسمت بالفعل. ولفت الانتباه إلى أن مسيرة نشاط جماعته الممتدة لاثني عشر عاماً شهدت ضغوطاً حكومية متواصلة، لكنها أسفرت في نهاية المطاف عن صدور مائة وستة وثلاثين حكماً بالبراءة لصالحهم، إلى جانب أكثر من مائة قرار قضائي بحفظ القضايا أو تعليق المتابعة لعدم كفاية الأدلة.
كشف تفاصيل “عرض تسوية” في غرف التحقيق
وكشف زعيم جماعة “الفرقان” للمرة الأولى عن عرض تسوية تلقاه من أحد المحامين أثناء فترة احتجازه التي استمرت أربعة أيام لدى أجهزة الأمن. ووفقاً لشهادته، فقد عُرض عليه إغلاق الملف القضائي بالكامل والإفراج عن جميع الموقوفين شريطة إلغاء فقرة “الأسئلة والأجوبة” التي تعقب دروسه وتفسيراته ومحاضراته العامة والتي تتعلق بقضايا سياسية يومية. وأضاف كويتول أنه رفض العرض رفضاً قاطعاً لتمسكه بمواقفه الناقدة، مؤكداً أن قبوله كان كفيلاً بإنهاء الملاحقة والتعتيم على القضية برمتها، ومشدداً على أن مواقفه تنبع من التزامه بـ”التوحيد” الذي يفسره بوجوب خضوع الواقع لشرع الله، وهو ما يثير انزعاج السلطات الحاكمة.
صراع الأصول المالية والتأثير الرقمي
ووجه كويتول انتقادات حادة لسياسات الحكومة المالية تجاه المؤسسات الدينية، متهماً السلطات بمحاولة “الاستيلاء على أملاك الجماعات ودور العبادة المستقلة” تحت غطاء أمني. وشبّه هذه الإجراءات بالمصادرات الواسعة للمصانع والشركات التي تلت أحداث محاولة الانقلاب في منتصف يوليو/تموز. كما استدعى مفهوم ما يُعرف بـ”بورصة كولن” (F.TÖ Borsa)، حيث اعتبر أن الملاحقات تُوظف كوسيلة للابتزاز المالي، يعفى بموجبها الأثرياء الذين يوافقون على تقديم الدعم المالي للسلطة من تهم الانتماء، بينما يواجه الرافضون تهم الانتماء والملاحقة. وأوضح أن الانتشار الرقمي الكبير لخطاباته وتجاوز بعض مقاطعه المصورة حاجز العشرة ملايين مشاهدة يعد السبب الفعلي وراء قلق الدوائر السياسية ورغبتها في تحجيم تأثيره المجتمعي.
ظروف الاحتجاز وتراجع الضمانات القانونية
وفيما يتعلق بظروف المحاكمة، احتج كويتول بشدة على توقيف محاميه وحرمانه من حقه الطبيعي في الدفاع، معلناً اضطراره للترافع عن نفسه شخصياً داخل قاعة المحكمة. كما اشتكى من منعه من الحصول على أبسط الأدوات كالأوراق والأقلام داخل محبسه لإعداد مذكرات الدفاع القانونية. وفي ذات السياق، اتهم مديرية أمن أضنة بالعجز عن تقديم أدلة موضوعية والاعتماد بدلاً من ذلك على وشايات قدمها شخص تربطه بالجماعة خصومة قانونية حادة ولديهم ضده نحو مائة وثمانية وسبعين بلاغاً وشكوى قضائية متبادلة، مستنكراً لجوء مؤسسة أمنية رسمية إلى مثل هذه الأساليب لتلفيق اتهامات بـ”الإرهاب” أو “العمل الإجرامي” لشخص يقضي حياته في التدريس والعمل الدعوي والندوات السلمية.
مناشدة إنسانية بشأن المعتقلين الآخرين
وأشار كويتول إلى أن حملة التوقيفات طالت قرابة ستين شخصاً، من بينهم عشرة أفراد كانوا قد قطعوا صلتهم بالجماعة وغادروها في وقت سابق. وأكد أن اعتقال هؤلاء يهدف حصرياً إلى الضغط عليه شخصياً للتراجع عن مواقفه. وفي ختام دفاعه، طالب المحكمة بالتحفظ عليه بمفرده وإخلاء سبيل بقية الموقوفين الذين يواجهون ظروفاً أسرية صعبة جراء توقيفهم التعسفي، مكرراً تمسكه بمواقفه ورفضه الانحناء لأي ضغوط سياسية.

