تشهد الساحة الأوروبية تصاعداً مقلقاً في حوادث غامضة استهدفت منشآت حيوية لإنتاج الأسلحة والذخائر، مما دفع أجهزة الاستخبارات الغربية إلى توجيه أصابع الاتهام مباشرة نحو موسكو.
وتشير التقديرات الأمنية إلى أن الكرملين يدير حملة تخريبية ممنهجة و”مستترة” تستهدف البنية التحتية العسكرية للقارة العجوز.
ولا تقتصر أهداف هذه العمليات على محاولة تقويض الدعم العسكري اللوجستي المقدم لأوكرانيا فحسب، بل تمتد لتشمل اختبار مدى تماسك حلف شمال الأطلسي (الناتو) وتحديد سقف ردود أفعاله.
وفي هذا التقرير، نستعرض أبعاد هذه المواجهة الصامتة، وخلفياتها الأمنية والجيوسياسية، والأساليب المبتكرة التي تُتهم الاستخبارات الروسية باستخدامها لإشعال “نيران الظل” في عمق الأراضي الأوروبية.
تكتيك “المنطقة الرمادية”: السير تحت حافة المادة الخامسة
ترى دوائر الاستخبارات الغربية أن التخطيط الروسي لهذه العمليات يعتمد على استراتيجية دقيقة تهدف إلى إبقاء الهجمات دون الحد الذي يستدعي تفعيل المادة الخامسة من معاهدة حلف الناتو، والتي تنص على الدفاع المشترك في حال تعرض أي عضو لاعتداء مسلح.
ومن خلال البقاء في هذه “المنطقة الرمادية”، تسعى موسكو إلى خلق حالة من الضبابية والشكوك حول الفاعل الحقيقي. هذا الغموض المتعمد يحرم الحلف من فرصة صياغة رد جماعي حاسم، حيث يصبح من الصعب سياسياً وقانونياً إثبات التورط المباشر للدولة الروسية، مما يترك الدول الأعضاء في مواجهة فردية مع حوادث تبدو في ظاهرها كأعطال تشغيلية أو حوادث عرضية.
جغرافيا التخريب: حرائق وانفجارات متلاحقة من البلطيق إلى البحر المتوسط
امتدت خارطة الحوادث الغامضة لتشمل عدة دول أوروبية خلال فترة زمنية وجيزة، حيث ركزت الاستهدافات بشكل ملموس على المصانع المرتبطة مباشرة بسلاسل الإمداد العسكري المتجهة إلى جبهات القتال في أوكرانيا:
- الهجوم على الطائرات المسيرة في إستونيا: في منتصف أغسطس/آب، وتحديداً في ليلة الخامس عشر منه، تعرض مبنى تابع لشركة “ميلريم روبوتكس” (Milrem Robotics) في العاصمة تالين لحريق متعمد. وتكتسب هذه الشركة أهمية خاصة لكونها تزود القوات الأوكرانية بمركبات برية غير مأهولة (طائرات مسيرة برية). وفي سياق متصل، اعتقلت السلطات الأمنية في لاتفيا المجاورة ثلاثة مواطنين للاشتباه في صلتهم بمحاولة إضرام النار هذه.
- انفجار مصنع الذخيرة في بلغاريا: قبل ذلك بأيام قليلة، وتحديداً في العاشر من أغسطس/آب، هز انفجار عنيف منشأة تابعة لشركة “إيمكو” (EMCO)، وهي واحدة من كبريات الشركات الخاصة لإنتاج الأسلحة في بلغاريا. ووقع الحادث، الذي استهدف منشأة تنتج قذائف مدفعية من عيار ١٥٥ مليمتر مخصصة لأوكرانيا، عقب اندلاع حريق غامض في شاحنة كانت متوقفة بالقرب من مستودعات التخزين.
- حادثة العاصمة الإيطالية: بعد ثلاثة أيام فقط من انفجار بلغاريا، وتحديداً في الثالث عشر من أغسطس/آب، شهدت بلدة كوليفيرو القريبة من روما انفجاراً في مصنع للذخيرة تديره شركة “كي إن دي إس آمو إيطاليا” (KNDS Ammo Italy) وحسب الرواية الأولية، نجم الانفجار عن حريق اندلع في قسم معالجة البارود لأسباب لم يتم تحديدها بدقة حتى الآن.
- تحقيقات التشيك وليتوانيا: لم تكن هذه الحوادث معزولة؛ ففي جمهورية التشيك، أدى حريق هائل مطلع العام إلى تدمير منشأة متخصصة في إنتاج الطائرات المسيرة والمعدات البصرية الحرارية الموجهة لأوكرانيا. وقد أسفرت التحقيقات الجارية حول الدور الروسي المحتمل عن اعتقال أربعة مشتبه بهم. وفي ليتوانيا، تواجه مجموعة تضم ستة أشخاص ملاحقة قضائية بتهمة محاولة إحراق مصنع محلي يمد أوكرانيا بأجهزة مسح للموجات اللاسلكية.
المرتزقة الرقميون: كيف تجند روسيا “عملاء الصدفة” عبر تلغرام؟
وفقاً لتقييمات استخباراتية نشرتها صحيفة “ذا تليغراف” البريطانية، فإن جهاز الاستخبارات العسكرية الروسية (GRU) بات يعتمد أسلوباً تشغيلياً جديداً يتفادى فيه إرسال عملاء روس مدربين إلى مواقع العمليات. وبدلاً من ذلك، يلجأ الجهاز إلى تجنيد شبكات إجرامية محلية وأفراد من داخل المجتمعات الأوروبية عبر منصات التواصل الاجتماعي المشفرة مثل تطبيق تلغرام.
وتتم العملية عبر وسطاء يطرحون مهاماً تبدو معزولة مثل إشعال الحرائق أو التخريب، مقابل مكافآت مالية تُدفع بالعملات المشفرة (الكريبتو) لضمان عدم تتبع الأموال. والمفارقة الأمنية الصادمة هنا تكمن في أن بعض هؤلاء المنفذين ينخرطون في العمليات ويقومون بالتخريب الفعلي دون أن يدركوا طبيعة الجهة النهائية التي يعملون لصالحها أو أنهم باتوا أدوات في يد الاستخبارات الروسية. هذا الأسلوب يمنح موسكو ميزة “الإنكار المعقول” ويفكك أي روابط مادية مباشرة قد تدين الكرملين رسمياً، وفق المزاعم الأوروبية.
تصدع التضامن الأوروبي: رهان موسكو على الانقسام الداخلي
تشير التحليلات السياسية المستندة إلى آراء المسؤولين الغربيين إلى أن الهدف الاستراتيجي الأعمق لروسيا يتجاوز الإضرار المادي بالمصانع؛ إذ تسعى موسكو إلى استغلال هذه العمليات لإظهار وتعميق الخلافات السياسية داخل أروقة حلف الناتو حول كيفية التعامل مع التهديدات الروسية.
وتبدو الفجوة واضحة في المواقف الأوروبية الحالية:
- فمن جهة، تتبنى بولندا ودول البلطيق موقفاً هجومياً صارماً، وتوجه اتهامات علنية ومباشرة للكرملين بالوقوف وراء هذه الهجمات المطالبة برفض الصمت الأوروبي.
- ومن جهة أخرى، تفضل قوى أوروبية كبرى مثل ألمانيا وإيطاليا تبني نهج الحذر والتروي، تفادياً لانزلاق الأمور نحو تصعيد عسكري مباشر مع قوة نووية.
هذا التباين في تقدير الموقف والتردد في اتخاذ قرارات جماعية حاسمة هو بالضبط ما يراهن عليه الكرملين لإضعاف كفاءة الحلف الردعية وإبراز عجزه الهيكلي في اتخاذ مواقف موحدة وقت الأزمات غير التقليدية، بحسب مراقبين أوروبيين.

