شهدت الساحة السياسية والإعلامية في تركيا تطورات متسارعة عقب اعترافات مثيرة أدلى بها صاحب وكالة لتشغيل الممثلين المساعدين (الكومبارس)، كشف فيها عن كواليس عملية حشد مدفوعة الأجر لصالح فعالية لحزب الشعب الجمهوري، مقراً بأنه أدلى بمعلومات كاذبة لوسائل إعلام بارزة تحت وطأة الوعود المالية وتجنباً لقطع قنوات التواصل مع الجهات المنظمة للأموال.
الاعتراف الصادم: “لقد كذبتُ على شاشة سي إن إن تورك”
أوضح عمر إيني، مالك “وكالة ميرس” الفنية (MERS Ajans)، أن التصريحات التي أدلى بها سابقاً لقناة “سي إن إن تورك” (CNN Türk)، والتي زعم فيها تقديم دعم تطوعي مجاني للفعالية الحزبية للشعب الجمهوري، كانت مجرد ادعاءات عارية عن الصحة.
وأقرّ إيني بأن تراجعه عن روايته الأولى جاء بعد أن تبخرت الوعود بسداد التكاليف المالية للفعالية، مبيناً أن التوجيهات بالظهور الإعلامي الكاذب صدرت إليه من وسيط يدعى صمد أوزكاش، الذي اشترط خروجه التلفزيوني ونفيه لشبهة الحشد المأجور كشرط مسبق للإفراج عن الأموال.
وبحسب تصريحات إيني الأخيرة، فإن ثلاث وكالات فنية شاركت في تأمين الحشود لم تتلق ليرة واحدة من مستحقاتها بعد مرور قرابة شهر على الفعالية، مما اضطره لتسديد أجور الكومبارس من مدخراته الشخصية واللجوء إلى الاقتراض البنكي، في حين عجز عن سداد مستحقات آخرين. وكان إيني قد ادعى في وقت سابق عدم تلقيه أي مبالغ من المقر الرئيسي لحزب الشعب الجمهوري أو من أوزكاش، معتبراً مشاركته حينها جزءاً من “علاقات الصداقة”.
تفاصيل الصفقة: إلغاء تصوير مسلسل درامي من أجل حشد جماهيري
تعود جذور القضية إلى الخامس والعشرين من يوليو/تموز، عندما نظم حزب الشعب الجمهوري (CHP) فعالية لضم أعضاء جدد وتقليد الشارات في منطقة “ساريير” بمدينة إسطنبول، بعد إعادة كمال كليتشدار أوغلو إلى رئاسة الحزب، وتفيد المعلومات الملموسة بأن أوزكاش تواصل مع وكالة “ميرس” طالباً تأمين حضور لافت من الممثلين المساعدين. وعند استفسار إيني عن الجهة الطالبة، أُبلغ بأن الطلب صادر مباشرة من الحزب.
ومع تصاعد وتيرة التحضيرات، ارتفع سقف المطالب العددية؛ فبعد أن كان المستهدف تأمين مئة شخص على الأقل، تضاعفت الأرقام لدرجة إلغاء تصوير مسلسل تلفزيوني كان مقرراً في اليوم ذاته، وتحويل طاقم الممثلين المساعدين فيه إلى المركز الثقافي بساريير، ليصل عدد الكومبارس المشاركين في الفعالية السياسية إلى مئتين وخمسين شخصاً على الأقل.
تسريبات رسائل الواتساب: “الجميع يصرخ” وغياب حتى المعجنات
لتعزيز صدقية روايته الجديدة، كشف إيني عن محادثات نصية متبادلة عبر تطبيق “واتساب” بينه وبين أوزكاش. وتكشف هذه التسريبات حجم التباين في التقييم الميداني وإدارة الفعالية؛ حيث كتب أوزكاش في إحدى الرسائل معاتباً: “لا أحد يصرخ (يهتف)”، ليرد عليه إيني على الفور: “الجميع يصرخون منذ الصباح”، في إشارة إلى إطلاق هتافات لدعم عودة كليتشدار أوغلو.
ولم تقتصر الخلافات على التفاعل الجماهيري بل تعدتها إلى الاحتياجات اللوجستية الأساسية، إذ تظهر المحادثات تذمراً واضحاً من المشاركين بشأن غياب الأطعمة؛ حيث أرسل إيني رسالة مفادها “الناس يسألون عن الطعام”، مشيراً إلى أن الحاضرين لم يحصلوا حتى على قطع “السميت” (الكعك التركي) أو “البوغاتشا” (المعجنات المخبوزة).
على صعيد التحويلات المالية، تضمنت المحادثات تبادل صور الدفع للمشاركين، حيث اشتكى إيني قائلاً: “الدفعة ناقصة، أين أنت؟”، ليجيبه أوزكاش بأن المبالغ “ستُرسل إلى الحساب البنكي (آيبان)”، وفي محادثة أخرى تساءل إيني: “كم دقيقة متبقية؟ مالي ناقص”، فرد عليه أوزكاش بطلب إرسال رقم الحساب البنكي.
المجهر القضائي: تحقيق رسمي يلاحق خيوط “الاختراق الصحفي”
أخذت القضية منحى جنائياً وقضائياً عقب فتح النيابة العامة تحقيقاً رسمياً في ملابسات استقدام مشاركين بأجر مالي لفعاليات سياسية. وجاء هذا التحرك القضائي مدفوعاً بتقرير استقصائي لصحيفة “بيرغون” (BirGün)، حيث نجحت المراسلة إبرو تشيليك في الاندماج والاندساس بين صفوف الكومبارس والمشاركة الفعلية في البرنامج الحزبي دون الكشف عن هويتها الصحفية. وبناءً على ذلك، استدعت سلطات التحقيق المراسلة تشيليك، إلى جانب منسقي الموقع الإلكتروني للصحيفة، أوغور كوتش وبيركانت غولتكين، للإدلاء بإفاداتهم الرسمية حول تفاصيل التحقيق الصحفي الذي عرى الواقعة.
تحليل أبعاد الأزمة: بين الدعاية السياسية والواقع الاقتصادي
تسلط هذه الفضيحة الضوء على أبعاد معقدة تتعلق بصناعة المشهد السياسي وإدارة العلاقات العامة للأحزاب في تركيا. فاللجوء إلى وكالات التمثيل الفني لخلق انطباع جماهيري زائف يبرز اتساع الفجوة بين الأهداف الدعائية للأحزاب السياسية والواقع اللوجستي على الأرض.
كما أن محاولة تطويق الأزمة عبر الضغط على أصحاب الوكالات لتقديم روايات تضليلية على شاشات التلفزة تكشف عن كيفية استغلال النفوذ السياسي لإخفاء الحقائق. وتظهر هذه التطورات أن العجز المالي وعدم الوفاء بالالتزامات للوكالات التي تعتمد بدورها على سداد يومي لعمالها، كان العامل الحاسم الذي كسر جدار الصمت وأدى إلى كشف خفايا هذه العملية إلى العلن وتحولها إلى قضية رأي عام تخضع للتحقيق القضائي.
هندسة الخصوم على حلبة المصارعة
يرى عدد من المحللين أن صعود كمال كليجدار أوغلو لرئاسة حزب الشعب الجمهوري عبر عملية قضائية جاء في إطار استراتيجيات الرئيس أردوغان في اختيار خصومه. وعلق أحد المحللين المعارضين بطرفة ترِد في الأثر السياسي تلخّص هذا المشهد بذكاء؛ حيث يُحكى أن بطلاً مهيباً في رياضة المصارعة كان يستعد لخوض النزال الأكبر للحفاظ على لقبه وحزامه الذهبي. وبدلاً من تركه المصارعة يواجه بطلاً شاباً ممتلئاً حماساً وقوة قد يطيح بملكه في أي لحظة، تَدخّل “مهندس الحلبة” خلف الكواليس ليقنع المنظمين بتعيين مصارعٍ مسنٍّ وهزيل، بالكاد يقوى على حمل حزامه الشخصي، ليكون هو “المنافس الشرس” في ليلة البطولة.
وعندما انطلق النزال، كان البطل يطيح بخصمه الهزيل أرضاً بضربات استعراضية خفيفة وسط تهليل منسق وتصفيق من الجمهور المأجور في الصفوف الأولى. وفي غمرة الاحتفال بالنصر السهل، دنا أحد الحاضرين من “مهندس الحلبة” وسأله بخبث: “لماذا تبدو منتشياً بهذا الفوز، والجميع يعلم أن الخصم لم يكن قادراً على القتال أصلاً؟”
فابتسم المهندس ببرود، وقال: “يا بني، سرُّ عبقرية البطل لا يكمن في مدى قوته، بل في قدرتنا الفائقة على تنصيب خصمٍ يضمن له الفوز قبل أن يبدأ اللعب!”

