يرى الكاتب والباحث الأكاديمي التركي آدم سنمان أن المنظومة الدولية تشهد حالياً نقطة تحول تاريخية صاخبة تتمثل في التراجع الحاد للأطروحات المثالية التي هيمنت على النقاشات السياسية لعقود طويلة. ويشير سنمان، في مقاله بموقع “بولد” التركي الإخباري، إلى أن رؤية الفيلسوف إيمانويل كانت المتعلقة بـ”السلام الدائم”، فضلاً عن فرضيات نورمان أنجيل التي جادلت بأن الاعتماد الاقتصادي المتبادل بين الدول كفيل بجعل الحروب خياراً عابثاً وغير عقلاني، قد واجهت انهياراً واقعياً ملموساً في العصر الراهن.
وبدلاً من تلك الرؤى الحالمة، يندفع العالم اليوم نحو حقبة جديدة تعيد إنتاج سياسات القوة والنفوذ بشكل فج، مما يعيد إلى الأذهان العصر الكلاسيكي لبيسمارك وهنري كيسنجر؛ حيث تبدو الدبلوماسية التقليدية أداة عاجزة وقاصرة أمام دوي الطائرات المقاتلة في الأجواء وتساقط الصواريخ الباليستية فوق المراكز الحضرية المأهولة.
الاستراتيجيات الدفاعية الاستباقية وتحالفات الضرورة
وفي تحليله للمشهد الراهن، يوضح الأكاديمي آدم سنمان أن استشعار الدول لقرب عاصفة جيوسياسية كبرى دفعها إلى صياغة استراتيجيات أمنية وعسكرية مغايرة تماماً للمألوف. وتتمحور هذه التحركات الاستباقية حول تعزيز القدرات التصنيعية الدفاعية ومعالجة الهواجس الأمنية الإقليمية بشكل فوري ومباشر.
ومن هذا المنطلق، يبرز توجه جماعي تتجاوز فيه العواصم الخلافات والملفات المزمنة التي طالما عطلت التعاون البيني في الماضي، سعياً وراء بناء شراكات وتحالفات براغماتية متينة قادرة على مواجهة التهديدات الوجودية التي باتت تعصف باستقرارها وتهدد بقاءها.
“تأثير ترامب” وتسارع التحولات الجيوسياسية
ويؤكد الباحث سنمان أن هذه الديناميكية والسيولة السياسية المتسارعة لم تكن مفاجئة تماماً لخبراء العلاقات الدولية الذين توقعوا ملامحها مسبقاً، إلا أن عودة دونالد ترامب إلى الساحة السياسية لولاية ثانية شكلت العامل الحاسم في تسريع وتيرة هذه التحولات وتقريب آجالها بشكل دراماتيكي.
فقد أدت سياسات ترامب الصادمة وضغوطه المستمرة إلى زلزلة الأسس التقليدية للشراكات الأمنية والاستراتيجيات الدفاعية العالمية؛ وتجلى ذلك بوضوح في ممارساته التي بدأت بتهديد حلفاء منظمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) عبر ربط المظلة الأمنية بحجم الإنفاق العسكري والمساهمات الميزانية، مرواً بإثارة ملف شراء جزيرة غرينلاند، وصولاً إلى الانخراط المباشر والمؤثر في الاستقطاب العسكري المتصاعد بين إسرائيل وإيران، مما وضع الحلفاء والشركاء أمام واقع جيوسياسي متقلب يتطلب الاستعداد لأسوأ السيناريوهات.
اليقظة الأوروبية وإعادة هيكلة السيادة العسكرية
أما على صعيد القارة العجوز، فيشير آدم سنمان إلى أن الاتحاد الأوروبي وجد نفسه مجبراً على إجراء مراجعة جذرية وعميقة لعقيدته الأمنية الشاملة. فقد تضافرت تبعات الحرب الروسية الأوكرانية المستمرة مع الضغوط والتهديدات الصريحة الصادرة عن إدارة ترامب لتصل بالهواجس الأمنية الأوروبية إلى ذروتها، وهو ما دفع القادة الأوروبيين إلى الإدراك اليقيني بأن الخطابات السياسية الدبلوماسية وسياسات التهدئة والتسويف لم تعد مجدية لحماية أمن القارة واستقرارها.
ويضيف الباحث في هذا السياق أن العقود الطويلة التي تلت الحرب العالمية الثانية شهدت اتكالاً أوروبياً مفرطاً ومزمناً على المظلة الأمنية والعسكرية للولايات المتحدة الأمريكية، مما نتج عنه إهمال شديد لقطاع الصناعات الدفاعية المحلي وتطوير البنى التحتية للجيوش الوطنية وتحديث ترساناتها. ومع تصاعد حدة التوترات الدولية الراهنة، استعادت العواصم الأوروبية وعيها بأهمية السيادة العسكرية، مما أطلق طفرة تسليحية غير مسبوقة وحركة دبلوماسية مكثفة بهدف تعزيز الاستقلالية الاستراتيجية، وبناء قدرات دفاعية ذاتية قادرة على الردع وحماية الحدود دون ارتهان كامل للخارج.
أبعاد سياقية وتحليلات مكملة
تُترجم دول الاتحاد الأوروبي اليوم هذا التحول البنيوي عبر رفع ميزانياتها الدفاعية إلى مستويات تاريخية تتجاوز بكثير عتبة الاثنين بالمئة المقررة سابقاً من الناتج المحلي الإجمالي، بالتوازي مع سعي حثيث لتوطين التكنولوجيا العسكرية المتقدمة والذكاء الاصطناعي في منظومات الردع والرقابة.
إن الانتقال من نظام الهيمنة الليبرالية القائم على المؤسسات متعددة الأطراف والقوانين الدولية إلى نظام متعدد الأقطاب محكوم بـ”الواقعية السياسية” الصلبة يعيد صياغة مفهوم الأمن القومي؛ حيث لم يعد الأمن خياراً ترفياً أو ثانوياً، بل أضحى ركيزة وجودية أولى للحفاظ على كيان الدول وسيادتها في بيئة دولية شديدة الاضطراب ومفتوحة على كافة الاحتمالات العسكرية.
خلاصة
يخلص الكاتب الأكاديمي آدم سنمان إلى أن التوترات الدولية الراهنة وعودة ترامب أنهت أوهام السلام المثالي والاعتماد المتبادل، مجبرةً أوروبا على التخلي عن الاتكالية العسكرية التقليدية وبناء قدرات دفاعية ذاتية قادرة على الصمود في عصر “الواقعية السياسية” الجديد.

