أظهرت بيانات وزارة الخزانة والمالية التركية لشهر تموز/يوليو 2025 استمرار الهشاشة البنيوية في الموازنة العامة، على الرغم من الزيادة الكبيرة في الإيرادات. ففي الأشهر السبعة الأولى من العام، بلغت مدفوعات الفوائد على الدين العام تريليون و246 مليار ليرة تركية، أي ما يعادل ضعف الميزانية السنوية المخصصة لوزارة الدفاع، التي قُدرت بـ 623,9 مليار ليرة. هذه الأرقام تكشف بوضوح حجم العبء الذي تفرضه خدمة الدين على المالية العامة، وتؤكد أن ارتفاع الإيرادات لم ينجح في احتواء عجز الموازنة.
عجز مستمر رغم نمو الإيرادات
سجلت الموازنة في تموز/يوليو عجزًا بقيمة 23,8 مليار ليرة، بينما ارتفع العجز التراكمي خلال الأشهر السبعة الأولى إلى تريليون و4 مليارات ليرة، بزيادة تقارب 20 في المئة مقارنة بالفترة ذاتها من عام 2024. ويأتي هذا التطور رغم تحقيق إيرادات ضريبية بلغت 949,8 مليار ليرة في تموز وحده، بزيادة 55 في المئة على أساس سنوي، ما يعكس خللاً هيكليًا في توازن الإيرادات والنفقات.
تراجع في إيرادات الشركات
في المقابل، برزت مفارقة واضحة في هيكلية الإيرادات الضريبية. إذ تراجعت حصيلة ضريبة الشركات إلى 11,9 مليار ليرة في تموز/يوليو الجاري، مقارنة بـ 14,3 مليار ليرة في الشهر ذاته من العام الماضي، أي بانخفاض قدره 16,5 في المئة. هذا التراجع يثير تساؤلات حول أداء قطاع الأعمال، في وقت يفترض أن النمو في الإيرادات يعكس نشاطًا اقتصاديًا متوازنًا.
تضخم مدفوعات الفوائد
مدفوعات الفوائد مثّلت التحدي الأكبر، إذ ارتفعت في تموز وحده بنسبة 45,4 في المئة لتسجل 134,6 مليار ليرة. أما خلال الفترة بين كانون الثاني/يناير وتموز/يوليو، فقد قفزت خدمة الدين بنسبة 86,8 في المئة مقارنة بالعام الماضي، لتصل إلى تريليون و246 مليار ليرة. هذه الزيادة القياسية تؤكد اعتماد الدولة المتزايد على الاقتراض، وتكشف في الوقت ذاته عن ضعف استراتيجيات السيطرة على الدين العام.
النفقات الحكومية: تضخم وتوسع غير منضبط
بيانات الموازنة أظهرت أن الزيادة في الإيرادات لم تقابلها سياسات انضباط مالي. إذ ارتفعت التحويلات الجارية بنسبة 40,5 في المئة، فيما قفزت النفقات على الرواتب والأجور بنسبة 30,7 في المئة، وهو ما يعكس اتساع نطاق الإنفاق الجاري. الأبرز كان التحويلات الرأسمالية التي ارتفعت من 2,6 مليار ليرة في تموز 2024 إلى 14,9 مليار ليرة في تموز 2025، أي بزيادة تقارب 467 في المئة، وهو ما يثير جدلاً واسعًا حول أولويات الحكومة في إدارة الموارد.
دلالات وتطورات سياقية
تأتي هذه المؤشرات في وقت تواجه فيه الحكومة التركية ضغوطًا متزايدة من الأسواق والمستثمرين الدوليين بشأن استدامة المالية العامة. كما أن استمرار عجز الموازنة رغم زيادة الضرائب يضع ضغوطًا إضافية على الليرة التركية ويغذي المخاوف من تضخم مستمر. ويُذكر أن صندوق النقد الدولي ومؤسسات اقتصادية أوروبية حذرت مؤخرًا من أن اعتماد أنقرة المفرط على الاقتراض قصير الأجل يزيد من مخاطر الصدمات المالية في المدى القريب.

