شهد أواخر أبريل 2025 تسريبا لتسجيل صوتي نسب إلى الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر، مما أثار جدلاً واسعاً في الأوساط الإعلامية والسياسية والشعبية، خاصة في ظل توقيته الحساس وارتباطه بإعادة تقييم إرث عبد الناصر السياسي وخياراته بعد هزيمة 1967.
التسجيل المنسوب إلى عبد الناصر يتضمن تصريحات صريحة أدلى بها في جلسة خاصة للرئيس الليبي معمر القذافي بعد هزيمة 1967، حيث يقول عبد الناصر في التسجيل: «اليهود متفوقون علينا برًّا وجوًّا، نحن أصحاب الحل السلمي، الاستسلامي، الانهزامي، وأنا قادر أن أتحمل هذا وضميري مرتاح. من أراد القتال فليتفضل.»
يرى مراقبون أن هذا الخطاب الصريح يعكس تحوّلا عميقا في تفكير عبد الناصر بعد الهزيمة، من “الخطاب القومي المتحمس” إلى “الواقعية السياسية”، لكن اعتبر كثير من أتباع الناصرية التسجيل خيانة للإرث النضالي الذي أسسه عبد الناصر، خاصة بعد رفعه شعار «لا صلح، لا اعتراف، لا تفاوض» في قمة الخرطوم عام 1967. وقد لجأ بعض المعلقين لاتهام الذكاء الاصطناعي بفبركة الصوت والتسجيل، في ظل موجة التسجيلات الاصطناعية المنتشرة عالميًا. في حين رأى آخرون في التسريب فرصة لإعادة تقييم عبد الناصر كزعيم براغماتي تعلم من أخطائه ولم يبقَ أسيرًا للشعارات الفارغة.
بين الأسطورة والواقع
لم يكن الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر أول من رسّخ المدرسة غير الواقعية في الحياة السياسية العربية، لكنه بلا شك صار رمزها الأكبر وأحد أهم وجوهها. بفضل شخصيته الكاريزمية وموقع مصر المركزي في زمن حركات التحرر الوطني، قاد عبد الناصر موجة عاطفية استمرت عقدين من الزمن، رافعًا شعارات كبرى تجاوزت حدود الواقع وموازين القوى الإقليمية.
الهزيمة والمنعطف: 1967 نهاية حلم
انهار هذا المشروع عمليًا في حرب الأيام الستة (1967)، حين مُنيت مصر والعالم العربي بهزيمة قاسية لا تزال أصداؤها تتردد حتى اليوم. قيل كثيرًا إن عبد الناصر توفي مهزومًا في 1970، لكن الأهم أن مشروعه نفسه أصيب بصدع عميق، حيث انكشفت حدود الشعارات الكبرى أمام تعقيدات الواقع.
عبد الناصر المعلن وعبد الناصر الخفي
التسجيلات الأخيرة التي سُرّبت لعبد الناصر، والتي تكشف محادثاته مع الرئيس الليبي معمر القذافي، ألقت الضوء على وجود نسختين من الرجل: عبد الناصر الجماهيري الشعبوي، وعبد الناصر البراغماتي العقلاني. في التسجيل يقول: «اليهود متفوقين علينا… إحنا بتوع الحل السلمي الاستسلامي الانهزامي، وأنا قادر أتحمل هذا وضميري مرتاح».
هذا الاعتراف، الذي جاء بعد هزيمة 67، يعكس انقلابًا في قناعات الزعيم، إذ أدرك فشل الإيديولوجيا التي طالما روّج لها، وأصبح أكثر تقبلاً لفكرة الواقعية السياسية.
إرث الناصرية والجدل المستمر
رغم وفاته، استمرت الناصرية كتيار سياسي وفكري، بل لا يزال الكثيرون يستخدمونها لتبرير رؤى وشعارات شعبوية تجاوزها الزمن. ومع ذلك، فإن التسجيلات الأخيرة تنزع الشرعية التاريخية عن هذا الاستخدام، وتكشف أن أكبر رمز لهذا التيار كان نفسه قد غيّر قناعاته.
مفاجأة غير مفاجئة: فهم التغير
يثير التسجيل صدمة لدى أجيال تربت على صورة عبد الناصر الثابتة، لا سيما جيل اللاءات الثلاثة (لا صلح، لا اعتراف، لا تفاوض). إلا أن من عايش تلك المرحلة يدرك أن الزعماء، مهما بلغت شعبيتهم، يتغيرون أمام ضغط الهزائم والتجربة. فقد وافق عبد الناصر في أواخر أيامه على مبادرة وزير الخارجية الأميركي ويليام روجرز (1970)، الأمر الذي أثار عواصف من الانتقاد والمزايدة، حتى من أقرب حلفائه.
الذكاء الاصطناعي والتشكيك الحديث
أمام هذا المشهد، لم يكن غريبًا أن يلجأ البعض اليوم إلى التشكيك في التسجيلات، مستشهدين بإمكانات الذكاء الاصطناعي في التزييف الصوتي. ومع أن هذا الاحتياط مفهوم، إلا أن جوهر القضية لا يتعلق بصحة الصوت فقط، بل بحقيقة التغيرات التي طرأت على قناعات عبد الناصر.
خلاصة
كشف التسريب الأخير المزعوم لعبد الناصر عن جانب براغماتي وصريح في شخصيته، مثيراً جدلاً واسعًا بين من يعتبره واقعيًا ناضجًا وبين من يراه تراجعًا عن مبادئه. الجدل الحالي يعيد تسليط الضوء على أزمة الخطاب السياسي العربي ومشكلة المزايدة على حساب الواقعية. كما يتضمن دروسا في غاية الأهمية في السياق التركي أيضًا حيث يستخدم التحالف الحاكم خطابا شبيهًا ذا وجهين، أحدهما ظاهر وموجه للاستهلاك الداخلي والآخر خفي يكشفه التاريخ لاحقًا كما في الحالة المصرية.

