منذ تأسيسها، لم تواجه حركة حماس لحظة سياسية بمثل هذا القدر من التعقيد كما تعيشه اليوم. فخطة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، المدعومة إسرائيلياً والمسنودة عربياً، وضعت الحركة أمام امتحان لا يقتصر على بعدها السياسي فحسب، بل يتجاوز ذلك ليطال جوهر هويتها ومشروعها المقاوم. فالمهلة الزمنية التي فرضها ترامب للحركة كي تحدد موقفها، لم تكن مجرد إجراء تفاوضي؛ بل كشفت عجز حماس عن المناورة في ظل حصار خانق وضغوط إقليمية ودولية متصاعدة.
معادلة الشرعية والبراغماتية
تكمن معضلة حماس في هذا التناقض الحاد بين خطابها المقاوم وبين متطلبات الواقع. فقبول الخطة على نحو مباشر يعني تآكلاً لشرعيتها السياسية والعسكرية وفقدان رمزيتها التي بنتها عبر عقود. أما الرفض القاطع، فيعني العزلة الكاملة وتشديد الخناق، بما يفاقم المأساة الإنسانية في غزة ويضعف رصيدها الشعبي. إننا أمام معادلة مستحيلة: لا قبولٌ كامل ممكن، ولا رفضٌ مطلق قادر على تجنيبها كلفة الانهيار.
خيارات محفوفة بالمخاطر
السيناريوهات المتاحة أمام الحركة، وفق تحليل صحيفة “العرب” اللندنية، تظل محدودة:
- القبول الكامل: يمنح مكاسب إنسانية آنية كتخفيف الحصار وتدفق المساعدات، لكنه يقضي على البنية الرمزية والعسكرية للحركة، ويفتح الباب لانشقاقات داخلية قد تفرز قوى أشد تطرفاً.
- القبول المرحلي أو المشروط: خيار أكثر مرونة، لكنه هش بطبيعته، إذ يتوقف على التزام الوسطاء والمانحين. أي إخفاق في تنفيذه قد يتحول إلى عبء مضاعف ويمنح إسرائيل فرصة لمزيد من الابتزاز.
- الرفض المطلق: يحافظ على خطاب المقاومة نظرياً، لكنه يعمّق عزلة القطاع ويجمد أي دعم إنساني، ما يعرض الحركة لانكشاف خطير أمام جمهورها الداخلي.
مشهد إقليمي متشابك
تزيد المنطقة من تعقيد المأزق. فبعض العواصم العربية ترى في خطة ترامب مدخلاً لإعادة هندسة الموقف الفلسطيني، بينما توظف عواصم أخرى رفض حماس لتعزيز أوراق نفوذها الإقليمي. هذا التشابك يكشف أن قرار الحركة ليس مستقلاً بالكامل، بل مرهون بتوازنات وضغوط خارجية متناقضة.
من الماضي إلى الحاضر
تجارب حماس السابقة مع المبادرات الدولية تكشف نمطاً متكرراً يتمثل في بيانات حذرة، ومفاوضات خلف الأبواب المغلقة، ومحاولات لتقليل الخسائر أكثر من السعي إلى تحقيق مكاسب حقيقية. وهو ما يرجّح أن تلجأ الحركة مجدداً إلى هذا الأسلوب في التعامل مع خطة ترامب. لكن، ومع تبدل السياق الإقليمي والدولي، قد لا تسعفها تلك التكتيكات في كسب الوقت طويلاً.
ما بين “أخلاق الاعتقاد” و”أخلاق العمل”
كما أشار ماكس فيبر، فإن النجاح السياسي لا يقوم على “أخلاق الاعتقاد” وحدها، بل على الجمع بينها وبين “أخلاق العمل”. وفي الحالة الفلسطينية، يظهر هذا التناقض بوضوح: حماس متمسكة بخطاب المقاومة، لكنها مضطرة لمواجهة واقع سياسي واقتصادي لا يرحم. وبينما يتحرك العرب والأوروبيون في مسار دبلوماسي للاعتراف بالدولة الفلسطينية، يظل الغضب الأميركي والإصرار الإسرائيلي حاضراً بقوة، ما يجعل أي تسوية هشة وقابلة للانهيار.
خلاصة المشهد
السيناريو الأكثر ترجيحاً هو القبول المرحلي المشروط؛ خيار يتيح للحركة مساحة للمناورة وإدارة جمهورها، دون أن يلغي جوهر الخطة الأميركية التي تجد دعماً إسرائيلياً وعربياً. أما الرفض القاطع، فيبقى مكلفاً إنسانياً وسياسياً، فيما يشكّل القبول الكامل انتحاراً سياسياً بكل المقاييس.
إن غزة اليوم تقف عند مفترق طرق تاريخي: إما الانخراط في عملية تآكل بطيء للهوية المقاومة، أو مواجهة عزلة خانقة تزيد من معاناة أهلها. وفي كل الأحوال، يظل السؤال معلقاً: هل ستتمكن حماس من تحويل “أخلاق الاعتقاد” إلى “أخلاق عمل” تنقذ القطاع من الغرق، أم أن لحظة الحسم هذه ستكتب بداية فصل جديد من المأساة الفلسطينية؟

