لم تكن الاشتباكات الدامية التي شهدتها مدينة حلب شمالي سوريا حدثًا ميدانيًا معزولًا، بل تحوّلت سريعًا إلى عقدة سياسية إقليمية، امتد صداها مباشرة إلى الداخل التركي. فالتطورات التي انتهت بسيطرة القوات الحكومية السورية على المدينة كاملة، أعادت خلط أوراق عدة ملفات عالقة، في مقدمتها مساعي أنقرة لإنهاء صراعها المزمن مع حزب العمال الكردستاني.
في هذا السياق، خرج حزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا ليحمّل الفصائل الكردية المسلحة في سوريا مسؤولية ما جرى، معتبرًا أن ما حدث في حلب يتجاوز كونه نزاعًا محليًا، ليشكّل محاولة مباشرة لإرباك مسار “تركيا الخالية من الإرهاب”.
رواية أنقرة: اشتباكات مدروسة لتعطيل مسار السلام
المتحدث باسم الحزب الحاكم، عمر تشيليك، وصف تحركات وحدات حماية الشعب وقوات سوريا الديمقراطية بأنها جزء من هجوم سياسي-عسكري يستهدف تقويض الجهود التركية الجارية منذ عام لإغلاق ملف الصراع المسلح مع حزب العمال الكردستاني، الممتد منذ أربعة عقود.
وبحسب هذا الطرح، فإن التصعيد في حلب جاء في توقيت بالغ الحساسية، تزامنًا مع مساعٍ تركية لإرساء مرحلة جديدة تقوم على إنهاء العنف المسلح داخل البلاد، وهو ما اعتبرته أنقرة تهديدًا مباشرًا لمعادلات النفوذ التي تسعى القوى الكردية السورية إلى تثبيتها شمال البلاد.
من أنقرة إلى شمال سوريا: صراع واحد بساحات متعددة
ترى الحكومة التركية أن ملف حزب العمال الكردستاني لا يمكن فصله عن البنية العسكرية الكردية في سوريا. فعلى الرغم من إعلان الحزب، في العام الماضي، وقف كفاحه المسلح وبدء عملية إتلاف سلاحه، تصرّ أنقرة على أن أي تسوية حقيقية يجب أن تشمل أيضًا التنظيمات المسلحة المرتبطة به خارج حدودها، وفي مقدمتها قوات سوريا الديمقراطية.
هذا الربط يجعل من التطورات السورية عنصرًا حاسمًا في الحسابات التركية الداخلية، ويُفسّر سبب حساسية أنقرة الشديدة تجاه أي تحرك عسكري أو سياسي تقوم به هذه القوى على حدودها الجنوبية.
اتفاق معلّق وخلافات جوهرية
كانت التفاهمات التي أُبرمت في مارس الماضي تنص على دمج قوات سوريا الديمقراطية ضمن بنية الجيش والمؤسسات الأمنية السورية قبل نهاية عام 2025، في خطوة كان يُفترض أن تُنهي الازدواجية العسكرية في شمال شرق البلاد.
غير أن هذا المسار اصطدم بخلافات عميقة، أبرزها إصرار القيادات الكردية على نموذج حكم لامركزي، وهو ما رفضته دمشق بشكل قاطع. ومع تعثر التنفيذ، تحولت التوترات السياسية إلى مواجهات مسلحة، انتهت بتدخل حاسم من الجيش السوري أعاد المدينة إلى سيطرته الكاملة.
الانعكاس التركي: عملية سلام في حالة تجميد
لم تمرّ هذه التطورات دون أثر داخل تركيا. فالتصعيد بين دمشق وقوات سوريا الديمقراطية ألقى بظلال ثقيلة على المبادرة التركية الرامية إلى إنهاء الصراع الداخلي مع حزب العمال الكردستاني. وبحسب المعطيات، فإن هذا المسار دخل مرحلة جمود شبه كامل، وسط تصاعد الشكوك بشأن نوايا الأطراف الكردية الإقليمية.
وتخشى أنقرة من أن يؤدي تثبيت نفوذ عسكري كردي مستقل في سوريا إلى إعادة إنتاج بيئة صراعية داخل تركيا، حتى وإن جرى تفكيك البنية المسلحة للحزب على أراضيها.
بين الأمن القومي والتوازنات الإقليمية
تتعامل تركيا مع قوات سوريا الديمقراطية باعتبارها تهديدًا استراتيجيًا مباشرًا لأمنها القومي، وتكرر منذ سنوات دعوتها إلى تفكيك هذه القوات أو دمجها بالكامل ضمن الدولة السورية. غير أن الواقع الميداني المعقّد، وتداخل المصالح الدولية في الشمال السوري، جعلا من هذا الهدف مسارًا طويلًا ومليئًا بالعقبات.
وتشير التطورات الأخيرة في حلب إلى أن الصراع لم يعد يدور فقط حول السيطرة على الجغرافيا، بل حول من يملك القدرة على التأثير في مسارات التسوية الإقليمية، من سوريا إلى تركيا.
خلاصة
تكشف أحداث حلب أن مساعي أنقرة لإنهاء صراعها الداخلي لا تزال رهينة التوازنات السورية المعقدة. فبينما تسعى تركيا إلى إغلاق صفحة السلاح، تفرض التطورات الميدانية في الشمال السوري واقعًا يعيد تأجيل التسويات، ويجعل مسار “تركيا الخالية من الإرهاب” معلقًا على تطورات خارج حدودها.

