في تطور سياسي لافت، وجّهت نائبة عن حزب المعارضة التركي سلسلة أسئلة برلمانية إلى خمسة وزراء في الحكومة، مطالبةً بكشف ما إذا كانت أي سجلات رسمية تربط تركيا بشبكة رجل الأعمال الأمريكي الراحل جفري إبستين، المتهم بجرائم اتجار جنسي بقاصرات، والذي توفي في أحد سجون نيويورك عام 2019 أثناء انتظار محاكمته.
التحرك البرلماني أعاد إلى الواجهة ملف الأطفال المفقودين في تركيا، وفتح نقاشًا عامًا حول الشفافية المؤسسية، وسجلات الطيران العسكري والمدني، وآليات منع الاتجار بالبشر، في سياق داخلي يتسم بحساسية عالية تجاه قضايا الكوارث الطبيعية والاختفاءات غير المحسومة.
تحرك المعارضة: أسئلة متعددة الاتجاهات
النائبة سلجان طاشجي، عن حزب الجيد، قدّمت في السادس من فبراير طلبات استجواب خطية لخمسة وزراء، متسائلة عمّا إذا كانت أي سجلات رسمية تُظهر صلات مباشرة أو غير مباشرة بين أنشطة إبستين وتركيا، سواء عبر رحلات جوية، أو تحركات حدودية، أو قضايا تحقيق مرتبطة بأطفال مفقودين.
وطلبت طاشجي من وزير الدفاع ياشار غولر توضيح ما إذا كانت قاعدة إنجرليك الجوية قد ظهرت في سجلات طائرة إبستين الخاصة كنقطة هبوط أو عبور. وتكتسب هذه القاعدة أهمية خاصة نظرًا لاستخدامها من قبل القوات التركية وقوات حليفة، وفي مقدمتها الولايات المتحدة، ما يجعل أي إشارة محتملة إليها ذات أبعاد سياسية وأمنية.
كما استفسرت عن آليات التفتيش والرقابة المعتمدة في المنشآت العسكرية لمنع الاتجار بالبشر أو النقل غير القانوني للقاصرين.
الأطفال المفقودون: بين الأرقام الرسمية والهواجس المجتمعية
في موازاة ذلك، طلبت النائبة من وزارة الداخلية تحديث البيانات المتعلقة بعدد الأطفال المفقودين في البلاد، خصوصًا بعد زلزال السادس من فبراير 2023. وقد وُجّه الطلب في البداية إلى وزير الداخلية السابق علي يرلي قايا، وهو الآن موجّه إلى الوزير الحالي مصطفى تشيفتشي.
وتطرقت الأسئلة إلى عدد الأطفال الذين لم تُحدَّد هوياتهم عقب الزلزال، وما إذا كانت سجلات الجوازات والمنافذ الحدودية تُظهر تحركات لأشخاص يُشتبه في ارتباطهم بشبكات إبستين، إضافة إلى ما إذا رُصدت خلال العقد الماضي أي حالات دخول أطفال دون وثائق رسمية.
ملف الأطفال المفقودين يحمل حساسية تاريخية في تركيا، إذ سبق أن أُثير بعد زلزال مرمرة عام 1999 في مرمرة، الذي أودى بحياة أكثر من 18 ألف شخص. ومع زلزال 2023 الذي أودى بحياة أكثر من 53 ألفًا، عادت المخاوف ذاتها إلى السطح.
وزيرة الأسرة والخدمات الاجتماعية ماهينور أوزدمير غوكطاش نفت رسميًا فقدان أي من الأطفال المسجلين بعد زلزال 2023، مؤكدة أن جميع الأطفال البالغ عددهم 1,912 قد جرى تتبعهم. غير أن النقاش المجتمعي لم يُغلق بالكامل، في ظل غياب نشر دوري ومفصل لبيانات حديثة حول الحالات التي لا تزال عالقة.
ووفق إحصاءات قضائية تداولتها وسائل إعلام تركية سابقًا، تم الإبلاغ عن فقدان أكثر من مئة ألف طفل بين عامي 2008 و2016، وأُعيد العثور على معظمهم، إلا أن الأرقام الدقيقة للحالات غير المحسومة لم تُحدَّث علنًا في السنوات الأخيرة.
العدالة والتعاون الدولي: هل فُتحت تحقيقات؟
في استجوابها الموجّه إلى وزير العدل السابق يلماز تونج، والذي يتولاه حاليًا آكين غورلك، سألت طاشجي عمّا إذا كانت السلطات القضائية قد فحصت احتمال وجود أي تقاطع بين ملفات الأطفال المفقودين في تركيا والادعاءات الدولية المتعلقة بشبكات الاتجار التي كُشف عنها في وثائق إبستين.
كما استفسرت عن طبيعة التعاون القضائي مع الولايات المتحدة، وما إذا طُلبت مستندات تخص مواطنين أتراك وردت أسماؤهم في الملفات، وعن مدى مراجعة أي مسؤولية مؤسسية محتملة في قضايا اختفاء الأطفال داخل البلاد.
وتكتسب هذه الأسئلة بعدًا إضافيًا في ضوء الوثائق التي أفرجت عنها وزارة العدل الأمريكية ضمن إجراءات قضائية مرتبطة بالقضية، والتي كشفت عن شبكة علاقات واسعة ضمت شخصيات سياسية ومالية بارزة عالميًا، ما أبقى الملف مفتوحًا على احتمالات تداعيات عابرة للحدود.
سجلات الطيران والبيانات الرادارية: ملف حساس
إلى وزير النقل والبنية التحتية عبد القادر أورال أوغلو، وجّهت النائبة أسئلة حول ما إذا كانت سجلات الطيران أو بيانات الرادار تُظهر هبوط طائرة إبستين في مطارات تركية، أو عبورها المجال الجوي التركي، أو استخدام مرافق ذات طابع عسكري.
كما طلبت توضيح ما إذا كانت هناك آليات رقابة خاصة على الرحلات الدولية الخاصة التي تقلّ قاصرين، وما إذا كانت أي حكومات أجنبية قد طلبت رسميًا الاطلاع على بيانات تتعلق برحلات يُشتبه بارتباطها بقاعدة إنجرليك أو المجال الجوي التركي.
السياسة والرمزية: لماذا الآن؟
رغم عدم وجود أي رابط مثبت رسميًا بين مزاعم إبستين وحالات اختفاء الأطفال في تركيا، فإن إثارة الملف في هذا التوقيت تعكس، بحسب مراقبين، تقاطعًا بين الرقابة البرلمانية والجدل العام حول الشفافية المؤسسية.
القضية تمس ثلاثة مستويات حساسة: أمن القواعد العسكرية، نزاهة سجلات الحدود والطيران، وملف الأطفال المفقودين في سياق الكوارث. وهي موضوعات تحظى باهتمام شعبي واسع، خصوصًا في ظل تنامي الوعي بقضايا الاتجار بالبشر عالميًا.
وحتى الآن، لم تُنشر أي ردود رسمية على الأسئلة البرلمانية، رغم أن اللوائح تنص على ضرورة الرد خلال مهلة محددة، مع إمكانية التأخير.
تداعيات محتملة
إذا أُجريت مراجعة شاملة لسجلات الطيران والحدود، فقد تفضي إلى تعزيز آليات الرقابة والشفافية، بغض النظر عن نتائجها. أما في حال غياب ردود تفصيلية، فقد يستمر الجدل السياسي، خصوصًا أن قضية إبستين لا تزال تثير اهتمامًا عالميًا بسبب تشعباتها وعلاقاتها العابرة للحدود.
وبينما تنفي الحكومة وجود أي حالات فقدان أطفال بعد زلزال 2023، فإن مطلب نشر بيانات دورية ومحدثة حول الأطفال المفقودين يبقى عنصرًا أساسيًا في استعادة الثقة العامة.
الخلاصة
التحرك البرلماني لم يثبت أي صلة مباشرة بين تركيا وملف إبستين، لكنه أعاد فتح نقاش حساس حول الشفافية وسجلات الطيران وأزمة الأطفال المفقودين. الردود الحكومية المنتظرة ستحدد ما إذا كان الملف سيُطوى إداريًا أم سيتحول إلى محور جدل سياسي أوسع.

