بقلم: ياوز أجار
تقدّم صحيفة الأخبار البيروتية، ذات التوجّه الليبرالي واليساري، في تقريرها بعنوان “الأمانة العامة لرئاسة الجمهورية: دولة الشرع العميقة “صورة لافتة عن هندسة السلطة الجديدة في سوريا تحت رئاسة أحمد الشرع، الرئيس المكلّف بقيادة المرحلة الانتقالية.
ووفق التقرير، فقد سارع الشرع منذ تسلّمه منصبه إلى تجميع أهم الصلاحيات بيد شقيقه ماهر الشرع الذي تولّى رئاسة الأمانة العامة لرئاسة الجمهورية. وبذلك أعاد تشكيل شبكة ولاءات جديدة تتحكّم بالوزارات وشرايين الاقتصاد الأساسية، في بنية تتجاوز الهرم الإداري التقليدي للدولة، لتتحوّل -على غرار صندوق الثروة السيادي التركي– إلى سلطة فوق دستورية بحكم الأمر الواقع.
المركز الجديد: الأمانة العامة
تشير المعلومات التي تنشرها الأخبار إلى أنّ ماهر الشرع، الذي يتولى منصبه منذ نيسان الماضي، ظهر مراراً في الإعلام الرسمي وهو يدير اجتماعات مع الوزراء وكبار المسؤولين خلال وجود شقيقه في الخارج، ما جعله عملياً صاحب القرار الأول في الدولة. كما تُظهر الخريطة المؤسسية لسوريا أنّ جزءاً كبيراً من الموارد الاقتصادية يدار مباشرة عبر الأمانة العامة، دون أي آليات رقابية أو إطار مؤسسي واضح.
ويرى الخبير الاقتصادي السوري يونس الكريم أنّ البلاد تمرّ بمرحلة بات فيها المسؤولون أنفسهم عاجزين عن تحديد موقع هذه المؤسسة داخل النظام. فالمادة 51 من “الإعلان الدستوري” تنص على بقاء القوانين السابقة نافذة إلى حين إقرار دستور جديد، لكن ورغم عدم اكتمال هذه العملية، تحوّلت الأمانة العامة فعلياً إلى “المرجع الأعلى” في الدولة.
تحوّلات السلطة: التوازي مع النموذج التركي
لفهم ما يجري في سوريا، يمكن الاستفادة من أنماط التحوّل السياسي في المنطقة. فالمسار الذي خاضه رجب طيب أردوغان في مطلع الألفية كان مثالاً محطّ متابعة واسعة في العالم العربي. فقد حاول أردوغان آنذاك تخفيف حمولة الخطاب الإسلامي عبر الانفتاح على العواصم الغربية وبناء صلات إيجابية مع الأوساط الليبرالية والديمقراطية داخل تركيا، مستفيداً من ظرف دولي وإقليمي مواتٍ. وقد فتح له ذلك المجال لإقامة حكم طويل ومتماسك.
لكن في العقد الثاني من حكمه، عاد أردوغان تدريجياً إلى “نواته الصلبة”، مركزاً السلطات بيده، ومحوّلاً الإعلام والاقتصاد والمجتمع المدني إلى أدوات تحت هيمنته. ومع مرور الزمن تبلورت هيكلية حكم أقرب إلى نظام الحزب الواحد، ثم إلى نظام الرجل الواحد.
اليوم يمكن القول إنّ الشرع يسير في مسار تلتقي فيه اعتبارات الداخل السوري مع حسابات القوى الدولية. فبعد سقوط النظام السابق، اتجه الشرع سريعاً إلى الابتعاد عن الخطاب الراديكالي المعادي للغرب، مقدّماً نفسه كزعيم أكثر اعتدالاً وقابلية للتعامل الدولي، وهو ما فتح له، ولو مؤقتاً، هامشاً أوسع من الشرعية.
قراءة الشارع العربي: “تماماً مثل أردوغان عندكم”
ومن واقع تجربة شخصية، يمكن رصد كيفية تلقّي السوريين لهذا التحوّل. فخلال حوار مع صديق سوري ذي خلفية إسلامية حول الانعطافة الأيديولوجية المفاجئة للشرع، جاء جوابه صادماً:
“تماماً مثل أردوغان عندكم… الآن وقت الديمقراطية والتودّد للغرب. وبعد مرحلة التمكين، سيعود إلى خطه الأصلي.“
ويُعدّ مفهوم “التمكين“ في الأدبيات الإسلامية وصفاً لمرحلة الصبر الاستراتيجي وبناء النفوذ قبل الانتقال إلى بسط الهيمنة. وهذا يعكس قناعة واسعة في المنطقة بأنّ كثيراً من القوى الإسلامية تتبع نمطاً متشابهاً في التحوّل: مرونة في مرحلة، وتشدد في مرحلة أخرى. سواء كان ذلك براغماتية أو انتهازية أو جزءاً من تقاليد العمل السياسي داخل هذه الحركات، فإنّ المخاوف في الأوساط السورية حقيقية: الصورة المعتدلة التي يقدّمها الشرع اليوم قد تكون مجرد مقدّمة لمرحلة احتكار جديدة للسلطة مستقبلاً.
مصير “سوريا الجديدة”: مؤسسات أم أفراد؟
تفتح هذه التحوّلات سؤالاً جوهرياً حول مستقبل سوريا:
هل ستُبنى “سوريا الجديدة” بإرادة الأشخاص أم بضمانات المؤسّسات؟
فإن استمرّ تركّز السلطة خارج الأطر الدستورية ومن دون بنية مؤسسية مستقرة، فمن المحتمل أن تنزلق البلاد إلى حلقة جديدة من الحكم السلطوي. أما انطلاقة حقيقية لسوريا، فلن تكون ممكنة إلا عبر دستور جامع يضمن حقوق وتوقعات جميع مكوّنات المجتمع. فأي إصلاحات تُتخذ خارج هذا الإطار لن تخلق تحولاً دائماً، بل ستعيد إنتاج “مرحلة تمكين” جديدة بوجه آخر.
تقف سوريا اليوم على مفترق حاسم: إمّا الانجرار نحو معمار سلطوي جديد يقوم على شبكات الولاء، وإمّا تأسيس مستقبل ديمقراطي تعددي يضمّ كل فئات المجتمع.
والخيارات المتخذة في هذه اللحظة هي التي ستحدد مصير البلاد لعقود مقبلة.

