تشهد العلاقات الطاقوية بين روسيا وتركيا نشاطاً متجدداً مع اقتراب انتهاء عقود توريد الغاز الروسي عبر خطي “بلو ستريم” و”ترك ستريم” بنهاية العام الجاري.
التصريحات الصادرة عن نائب رئيس الوزراء الروسي ألكسندر نوفاك تُظهر بوضوح رغبة موسكو في تثبيت موقعها داخل السوق التركية، رغم التحولات الجارية في خريطة استيراد الغاز لدى أنقرة.
ضغوط زمنية ومساعٍ للتمديد
العقود التي تربط “غازبروم” بشركة الطاقة الوطنية التركية “بوتاش” تغطي توريد كميات سنوية كبيرة من الغاز المنقول عبر البحر الأسود، وهي عقود تشكل عموداً فقرياً لإمدادات الغاز إلى تركيا. كما أن عقوداً أخرى كانت قد أبرمتها الشركة الروسية مع مستوردين أتراك من القطاع الخاص منذ أكثر من عقد تقترب بدورها من نهايتها، ما يفرض على الطرفين إعادة التفاوض حول الأسعار والآليات والالتزامات المستقبلية.
المحادثات التي جرت خلال العام الحالي بين الجانب الروسي وكل من “بوتاش” وشركة “بوسفوروس غاز” تعكس حجم التعقيد في هذه الملفات، في ظل مساعٍ روسية للحفاظ على مستويات التصدير، مقابل رغبة تركية في تحسين شروط الاستيراد وتنويع المصادر.
اعتماد تركي كبير على الغاز المستورد
تحتاج تركيا إلى كميات ضخمة من الغاز لتلبية احتياجات الكهرباء والصناعة والتدفئة، وما تزال روسيا أكبر مورّد لها رغم العقوبات الغربية المفروضة على موسكو. البيانات الرسمية التركية تشير إلى أن واردات الغاز وصلت إلى مستويات مرتفعة خلال السنوات الأخيرة، وكانت الحصة الروسية تمثل نسبة كبيرة من تلك الواردات.
وفي محاولة لتخفيف الاعتماد على خطوط الأنابيب الروسية والإيرانية، اتجهت أنقرة إلى التوسع في شراء الغاز المسال، وقد أبرمت اتفاقاً طويل الأمد مع شركة عالمية لتوريد الغاز الأمريكي ابتداءً من منتصف العقد الحالي، في خطوة يعوّل عليها المسؤولون الأتراك لتعزيز أمن الطاقة وتنويع الموردين.
تقاطع المصالح في مشروع “مركز الغاز“
رغم محاولات أنقرة التوازن بين خياراتها، فإن التعاون الروسي–التركي يتقدم بخطوات راسخة. فـ”ترك ستريم” أصبح أحد آخر الممرات الرئيسة المتبقية أمام الغاز الروسي للوصول إلى جنوب وشرق أوروبا، بعدما تضررت أو توقفت مسارات أخرى عبر أوكرانيا والبلطيق. وتُظهر البيانات التشغيلية أن الخط يضخ كميات كبيرة نحو تركيا وعدد من دول الاتحاد الأوروبي، محوّلاً الأراضي التركية إلى نقطة عبور ذات أهمية استراتيجية.
هذا الدور يتقاطع مع رؤية الكرملين بجعل تركيا مركزاً إقليمياً للغاز، حيث يتم دمج الإمدادات الروسية مع مصادر أخرى وإعادة بيعها للأسواق الأوروبية. غير أن تحقيق هذه الرؤية يتطلب أولاً عقوداً مستقرة وطويلة الأمد مع أنقرة، وهو ما تسعى موسكو لتثبيته عبر جولة المفاوضات الجارية.
هامش أمريكي في المشهد
على الرغم من العقوبات الواسعة المفروضة على القطاعين المالي والطاقوي الروسيين، تحظى تركيا بإعفاءات خاصة تسمح لها بمواصلة السداد عبر قنوات مالية محددة. هذا الاستثناء يعكس إدراك واشنطن لحساسية وقف الإمدادات الروسية بشكل مفاجئ وتأثيره المحتمل على الاقتصاد التركي. وتم تمديد أحد هذه الإعفاءات ليتجاوز منتصف العام، بناءً على تفاهمات ثنائية.
توازن دقيق في ظل المتغيرات الإقليمية والدولية
تأتي هذه التحركات في وقت تشهد فيه تركيا ارتفاعاً في الطلب على الغاز نتيجة النمو الصناعي وتقلّبات السوق العالمية، بالإضافة إلى تزايد اعتماد أوروبا على المسارات عبر تركيا بعد تراجع دور خطوط الشمال الأوروبي. وفي المقابل، تجد موسكو في السوق التركية آخر منفذ تجاري كبير داخل أوروبا، ما يمنح هذه المفاوضات ثقلاً استراتيجياً يتجاوز مجرد تمديد عقود.

