أظهر تقرير دولي حديث حول التعليم لعام 2025 أن تركيا تسجل أعلى نسبة من الشباب غير المنخرطين في العمل أو الدراسة بين دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، إذ يبلغ معدلهم نحو ثلث الفئة العمرية بين الثامنة عشرة والرابعة والعشرين. وتؤكد البيانات أن الفجوة بين الجنسين واسعة، حيث تتجاوز نسبة الفتيات غير المنخرطات في التعليم أو العمل ضعف نسبة الشباب الذكور.
في المقابل، جاءت تركيا في ذيل الترتيب الأوروبي من حيث توظيف خريجي الجامعات الجدد، إذ لا يتجاوز معدل التحاقهم بسوق العمل ثلثي العدد الإجمالي، وهو فارق شاسع مقارنة بمتوسط الاتحاد الأوروبي الذي يقترب من تسعة أعشار.
فجوة نوعية بين التعليم والتوظيف
يربط التقرير بين هذه النتائج وبين اختلالات بنيوية في منظومة التعليم وسوق العمل التركي، حيث لم ترافق الزيادة الكمية في عدد الجامعات والطلاب إصلاحات في جودة التعليم أو توافقه مع احتياجات الاقتصاد. ويشير التحليل إلى أن هذا التوسع في التعليم العالي أدى إلى فجوة مهارية واضحة بين ما يدرسه الطلبة وما يطلبه أرباب العمل.
رغم ارتفاع نسبة حاملي الشهادات الجامعية، فإن معدلات التوظيف بينهم تظل أدنى من متوسط المنظمة، مما يعني أن الحصول على شهادة جامعية لم يعد يضمن وظيفة مستقرة. كما أن معدلات البطالة تكاد تتشابه بين من لم يُكملوا الثانوية وبين خريجي الجامعات، ما يعكس ضعف العائد الاقتصادي للتعليم العالي في تركيا.
تدنٍ في مستويات التحصيل والتعليم المبكر
يشير التقرير إلى أن نصف البالغين في تركيا لم يُكملوا التعليم الثانوي، في حين لم يحصل سوى ربع السكان تقريبًا على شهادة جامعية. ورغم التحسن النسبي خلال العقد الأخير في معدلات التمدرس لدى الفئة الشابة، فإن الفجوة مع متوسط الدول المتقدمة ما تزال واسعة.
في مرحلة الطفولة المبكرة، تحتل تركيا المرتبة الأخيرة في معدلات الالتحاق برياض الأطفال، رغم تضاعف نسب التسجيل خلال عشر سنوات. وتبلغ نسبة التحاق الأطفال في سن الثالثة بالتعليم ما دون خمس الأطفال فقط، وهو رقم بعيد عن المتوسط الدولي.
كما يشير التقرير إلى تراجع الإقبال على التعليم المهني، في وقت يُعتبر فيه هذا النوع من التعليم من أهم أدوات مواجهة البطالة بين الشباب في الاقتصادات الحديثة.
فجوة التمويل وضعف البنية التعليمية
تعاني المنظومة التعليمية في تركيا من نقص واضح في التمويل العام، إذ تراجعت حصة التعليم من الموازنة الوطنية خلال السنوات الأخيرة. كما أن الإنفاق الحكومي على الطالب الواحد لا يتجاوز جزءًا بسيطًا مما تنفقه الدول المتقدمة، سواء في المراحل الابتدائية أو الجامعية.
ويمتد الضعف أيضًا إلى البنية المؤسسية، حيث يبلغ متوسط عدد الطلاب في الفصل الدراسي الواحد ضعف المتوسط في المدارس الخاصة. أما فيما يتعلق بالمعلمين، فيُظهر التقرير أن رواتبهم هي من الأدنى بين دول المنظمة، وأن الفارق بين أجور المعلمين الجدد والمخضرمين محدود جدًا، مما يقلل من حوافز الاستمرار والتطور المهني.
التعليم العالي والطلبة الأجانب
رغم هذه التحديات، تظل تركيا وجهة بارزة للطلاب الدوليين، إذ تستضيف نسبة معتبرة من إجمالي الطلبة الدوليين حول العالم، خصوصًا القادمين من آسيا وإفريقيا. ويُعد انخفاض معدلات التسرب الجامعي من أبرز المؤشرات الإيجابية، حيث تسجل تركيا أدنى معدل انسحاب في السنة الأولى بين دول المنظمة.
إلا أن التقرير يحذر من أن التوسع الكمي في مؤسسات التعليم العالي لا يترجم تلقائيًا إلى فرص اقتصادية حقيقية، ما لم يُربط النظام التعليمي مباشرة باحتياجات سوق العمل المحلي والدولي.
جيل مهدد بالإقصاء الاقتصادي
يخلص التحليل إلى أن النجاحات الشكلية في توسيع الوصول إلى التعليم لم تنعكس على أرض الواقع بفرص عمل كافية أو بزيادة في الإنتاجية الاقتصادية. ويحذر من أن استمرار هذا الاتجاه قد يؤدي إلى خسارة جيل كامل من الشباب في دائرة البطالة أو العزوف التعليمي، وهو ما يشكل تهديدًا طويل الأمد للتوازن الاجتماعي والتنمية المستدامة في البلاد.

