أعلن رئيس الوزراء البولندي دونالد توسك أن بلاده تعرضت في ليلة التاسع إلى العاشر من سبتمبر لاختراق واسع لمجالها الجوي عبر دخول “أعداد كبيرة” من الطائرات المسيّرة (الدرونز)، مؤكداً أن سلاح الجو البولندي أسقط عدداً منها.
وأوضح دونالد توسك أن بلاده ستلجأ إلى المادة الرابعة من ميثاق الناتو، التي تتيح التشاور بين الحلفاء عند تعرض أمن أو سلامة أحد أعضائه لتهديد مباشر.
بولندا تتهم وموسكو تنفي
السلطات البولندية نسبت الطائرات المسيّرة إلى روسيا، في حين ردّت السفارة الروسية في وارسو بأن الاتهامات “بلا أي دليل”، مشيرة إلى أن المسيّرات قد تكون انطلقت من الأراضي الأوكرانية. أما وزارة الدفاع الروسية فأبدت استعدادها لبحث المسألة مباشرة مع الجانب البولندي عبر القنوات العسكرية.
وزارة الداخلية البولندية أعلنت أن حطام المسيّرات تم العثور عليه في عشر مناطق مختلفة داخل البلاد، دون تسجيل إصابات بشرية، فيما تسبب سقوط أحدها في أضرار محدودة بأحد المنازل.
المواقف الدولية: بين الإدانة والحذر
الموقف الأوروبي والأطلسي اتسم بالتباين؛ فقد وصف الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون دخول المسيّرات إلى الأجواء البولندية بأنه “غير مقبول”، داعياً موسكو إلى التصرف بمسؤولية. أما وزير خارجية ليتوانيا فأكد أنه لا يوجد حتى الآن دليل على أن ما جرى كان “هجوماً متعمداً“.
من جهتها، أكدت الولايات المتحدة أنها تتابع التطورات عن كثب بالتنسيق مع الحلفاء، بينما اعتبرت قيادة الناتو أن ما حدث يمثل “انتهاكاً للمجال الجوي” وليس “عملاً عدائياً مباشراً”. أما الاتحاد الأوروبي فقد أعلن عن تحضير حزمة جديدة من العقوبات ضد روسيا، تشمل استهداف “الأسطول الخفي” من ناقلات النفط التي تستخدمها موسكو، إضافة إلى الدول التي تشتري منها.
استفزاز متعمد أم خلل فني؟
تزامنت الأحداث مع شن روسيا هجمات جوية مكثفة على أهداف في غرب أوكرانيا باستخدام المسيّرات والصواريخ. وأعقب ذلك تصريحات أوكرانية حادة طالبت الناتو بردع موسكو، في حين التزمت وارسو خطاباً أكثر حذراً، مكتفية بوصف ما جرى بأنه “انتهاك للأجواء“.
القيادة البولندية عقدت اجتماعاً لمجلس الأمن القومي ورفعت حالة التأهب في صفوف الأجهزة الأمنية والعسكرية، ما يعكس قلقها من أن يكون ما جرى مقدمة لاستفزاز أوسع يستهدف اختبار جاهزية الناتو.
تقديرات الخبراء العسكريين
محللون عسكريون وضعوا عدة احتمالات لتفسير ما حدث. السيناريو الأول أن المسيّرات الروسية التي استهدفت غرب أوكرانيا قد تعرضت لتشويش إلكتروني وانحرفت عن مسارها لتدخل الأجواء البولندية.
أما الاحتمال الثاني فهو أن أوكرانيا نفسها، عبر منظومات الحرب الإلكترونية، قد تكون حوّلت مسار بعض المسيّرات عمداً باتجاه بولندا، في محاولة لزيادة الضغط على الناتو.
ويستذكر الخبراء حادثة وقعت قبل ثلاث سنوات حين سقط صاروخ دفاع جوي أوكراني في الأراضي البولندية وأصاب جراراً زراعياً، الأمر الذي سارعت كييف آنذاك إلى نسبه لموسكو قبل أن تتضح الملابسات لاحقاً.
أمن هش على الجبهة الشرقية للناتو
الحدث الأخير أظهر مجدداً هشاشة الوضع الأمني على حدود الناتو الشرقية، حيث قد يقود أي “حادث عرضي” أو “استفزاز محسوب” إلى تصعيد غير مرغوب. فبينما تحرص بولندا على تجنب الانزلاق نحو مواجهة مباشرة مع روسيا، فإنها في الوقت نفسه تستخدم لغة حازمة لضمان دعم الحلفاء وتعزيز الردع.

