شهدت شوارع إسطنبول، يوم الثلاثاء، عودة آلاف المحتجين إلى الشوارع في ظل القمع الأمني الذي شهدته البلاد، والذي أسفر عن اعتقال ما يقرب من 1,500 شخص، من بينهم صحفي من وكالة فرانس برس.
تأتي هذه الاحتجاجات بعد أسبوع من أكبر التظاهرات التي تشهدها تركيا منذ أكثر من عقد من الزمن، وذلك في أعقاب اعتقال رئيس بلدية إسطنبول أكرم إمام أوغلو، الذي يُعد المنافس السياسي الأبرز للرئيس التركي رجب طيب أردوغان.
تزايد الاحتجاجات والتصعيد الأمني
اندلعت الاحتجاجات في تركيا عقب اعتقال إمام أوغلو في 19 مارس، وهو ما اعتبره أنصار المعارضة انتهاكًا صارخًا لسيادة القانون. وتواصلت التظاهرات بشكل يومي، حيث خرج المتظاهرون في إسطنبول ومناطق أخرى، متحدين الحظر المفروض على الاحتجاجات. وفي المقابل، ردت السلطات التركية بحملة قمعية واسعة النطاق، ألقي خلالها القبض على العديد من الصحفيين، بما في ذلك الصحفي المصور ياسين آكغول من وكالة فرانس برس، الذي كان يغطي الاحتجاجات. وأصدرت محكمة إسطنبول، يوم الثلاثاء، حكمًا بحبس سبعة صحفيين بتهم المشاركة في “مظاهرات غير قانونية”، وهو ما أثار ردود فعل غاضبة من منظمات حقوق الإنسان.
الانتقادات الدولية والموقف التركي
منظمة مراسلون بلا حدود أدانت هذا القرار، معتبرةً أنه يعكس “وضعًا خطيرًا للغاية” في تركيا. وطالبت الوكالة الأممية السلطات التركية بالإفراج الفوري عن الصحفيين المعتقلين، مشيرةً إلى أن محاكمة آكغول وغيره من الصحفيين تعد انتهاكًا صارخًا لحرية الصحافة. من جانبها، أدانت المفوضية الأوروبية ومراقبو حقوق الإنسان استخدام الشرطة المفرط للقوة ضد المحتجين، بما في ذلك استخدام الغاز المسيل للدموع ومدافع المياه والرصاص المطاطي.
وفي وقت لاحق، أبدت الأمم المتحدة قلقها من الاعتقالات الجماعية والتوقيفات التي طالت المتظاهرين، ودعت إلى إجراء تحقيق في استخدام القوة المفرط من قبل قوات الأمن ضد المتظاهرين.
استمرار الاحتجاجات: دعوات لإجراء انتخابات مبكرة
رغم القمع والاعتقالات، أصر المحتجون على مواصلة تظاهراتهم. ففي حي شيشلي في إسطنبول، خرج الطلاب في مسيرات ليلية تنديدًا بالاعتقال السياسي، حيث رفعوا لافتات تطالب باستقالة الحكومة وإجراء انتخابات مبكرة. واصطف رجال الشرطة بكثافة في المنطقة، لكن المتظاهرين استمروا في هتافاتهم المناهضة للحكومة.
وفي هذا السياق، دعا رئيس حزب الشعب الجمهوري المعارض، أوزغور أوزيل، إلى تنظيم أكبر تجمع شعبي في إسطنبول يوم السبت المقبل. وأكد أن هذا الحدث سيكون “أكبر استفتاء في الهواء الطلق في تاريخ تركيا” لمطالبة الحكومة بإجراء انتخابات مبكرة. وأضاف أن هذا التجمع سيكون فرصة للمطالبة بمحاكمة شفافة وعادلة للمعتقلين، ورفض ما وصفه بـ “التصعيد الأمني غير المبرر”.
مواجهة الحكومة للتظاهرات
في مواجهة هذه الاحتجاجات الواسعة، رفض الرئيس رجب طيب أردوغان الانتقادات الموجهة إليه واعتبر الاحتجاجات “إرهابًا في الشوارع”. وقال في تصريحاته يوم الثلاثاء إن “من يسعون إلى إشاعة الفوضى في الشوارع ليس لديهم أي مستقبل”، مكررًا تهديداته ضد من يصفهم بـ”المحرضين على الشغب”.
كما أضاف أن بلاده لن تتهاون في مواجهة ما اعتبره “تهديدًا للأمن الوطني”، متعهدًا بعدم السماح بتكرار مشهد التظاهرات التي شهدتها البلاد في احتجاجات حديقة غيزي عام 2013.
واقع قاس: حقوق الإنسان في خطر
منظمة هيومن رايتس ووتش وصفت الوضع في تركيا بـ”الوقت المظلم للديمقراطية”، محذرة من تراجع الحريات الأساسية في البلاد. وقد استمرت الحكومة في فرض قيود مشددة على حرية التعبير وحرية الصحافة، في وقت شهدت فيه السجون التركية امتلاءً غير مسبوق نتيجة للاعتقالات التي تطال المتظاهرين والصحفيين.
وفي تغريدة له، أعلن وزير الداخلية التركي، علي يرليكايا، أنه تم اعتقال 1,418 شخصًا بتهمة المشاركة في “التظاهرات غير القانونية”، مشيرًا إلى أنه لن يكون هناك أي تساهل مع من يصفهم بـ “مثيري الشغب”.
تشهد تركيا حالة من الاحتقان السياسي والاجتماعي في أعقاب اعتقال إمام أوغلو، في وقت تُظهر فيه الاحتجاجات تصاعدًا في المعارضة الشعبية ضد الحكومة، بينما تواصل السلطات اتخاذ إجراءات صارمة ضد المتظاهرين والصحفيين. ما زالت الأنظار مشدودة إلى تطورات الوضع في البلاد، حيث يواصل المحتجون تنظيم التظاهرات في محاولة لتحقيق مطالبهم الديمقراطية.

