تسود حالة من الترقب والحذر في الوسط المالي التركي عقب تنفيذ السلطات الأمنية والتنظيمية حملة مداهمات وتوقيفات طالت مسؤولين وتنفيذيين في شركات إدارة أموال كبرى، وذلك بالتوازي مع تحقيقات موسعة بشأن شبهات تلاعب بأسعار الأسهم، وأزمة سيولة حادة تجلت في تعثر استرداد أموال المستثمرين وموجة سحب ملحوظة للسيولة هزت استقرار البورصة.
ملاحقات أمنية وتفتيش لمقار مالية كبرى
نفذت عناصر فرقة الجرائم المالية التابعة لشرطة إسطنبول عملية أمنية أسفرت عن احتجاز إبراهيم بيكتشي وتفتيش المقار التابعة لمجموعة “تيرا” المالية (Tera). وتوسعت نطاق عمليات التفتيش والتحري لتشمل شركة “دستك القابضة” (Destek Holding) التي تسيطر على شركة “دستك فاينانس” (Destek Finans)، إضافة إلى شركة الوساطة المالية في الأسواق ومؤسسة العملات المشفرة التابعتين لمجموعة “دستك”.
وطالت المداهمات الأمنية منازل عدد من الأفراد المرتبطين بملف التحقيق. وحتى ساعات متأخرة من مساء الخميس، لم تصدر النيابة العامة أي بيان رسمي يحدد النطاق التفصيلي للتحقيقات أو ينشر أسماء محتجزين آخرين في هذه القضية.
تضارب في المسميات الوظيفية وشبهات تضليل الأسواق
على الرغم من إشارة تقارير إعلامية أولية إلى أن بيكتشي يشغل منصب نائب رئيس مجلس إدارة مجموعة “تيرا القابضة”، فإن البيانات المسجلة رسمياً لدى منصة الإفصاح العام التركية (KAP) توضح أنه يعمل نائباً للمدير العام ومديراً للمحافظ المالية في شركة “تيرا لإدارة المحافظ” (Tera Portföy Yönetimi AŞ). وتختص هذه الشركة بإدارة الصناديق الاستثمارية، في حين يتركز الدور الوظيفي لبيكتشي في التخطيط والإشراف على آليات توجيه واستثمار أموال العملاء.
وجاء التحرّك الأمني بعد مضي ساعات قليلة على إحالة مجلس الأسواق المالية التركي (SPK) ملف بيكتشي إلى المدعي العام، بناءً على معاملات وتداولات أجراها على أسهم شركة “دستك فاينانس فاكتورينغ” (Destek Finans Faktoring AŞ). وأسندت الهيئة التنظيمية إحالتها إلى نص قانوني يُجرّم المعاملات الصورية أو الصفقات التي تستهدف تقديم صورة زائفة ومضللة للمستثمرين في السوق بشأن العرض والطلب أو التقييم السعري للسهم.
عقوبات تنظيمية وطرد من البورصة لـ 38 متداولاً
اتخذ مجلس الأسواق المالية قراراً بحظر تداول بيكتشي في بورصة إسطنبول وكافة الأسواق المالية المنظمة لمدّة عامين متتاليين. وشملت القرارات إلغاء كافة التراخيص الممنوحة له لممارسة أنشطة أسواق رأس المال خلال الفترة نفسها.
ولم تقف الإجراءات عند هذا الحد، بل أدرج المجلس بيكتشي ضمن قائمة تضم 38 شخصاً جرت إحالتهم إلى الجهات القضائية بسبب تداولات مشبوهة طالت أسهم ثلاث شركات مدرجة. وإلى جانب شركة “دستك فاينانس”، شملت التحقيقات معاملات على أسهم شركة “كاتيليم إفيم” (Katılımevim) العاملة في إدارة خطط الادخار غير المصرفية لشراء العقارات والمركبات، وشركة “غوندوغدو غيدا” (Gündoğdu Gıda) المتخصصة في صناعة الألبان. وفرض المجلس حظراً شاملاً على الأشخاص الثمانية والثلاثين يمنعهم من التداول لمدّة عامين، مع تعليق تراخيص العمل المالي لبيكتشي وعدة أسماء أخرى طوال مدة الحظر نفسها.
تشابك هيكلي في الملكيات وقرارات بتصفية الصناديق
تنشط شركة “دستك فاينانس”، التي تشكل أسهمها محور التحقيقات الجارية، في تقديم حلول التمويل والسيولة النقدية قصيرة الأجل للشركات مقابل الفواتير والذمم المستحقة غير المدفوعة. وتستحوذ الشركة الأم “دستك القابضة” على حصة الحاكمية بنسبة 73.81% من أسهمها. وفي مقابل ذلك، تتوزع بقية الأسهم بين شركة “تيرا للاستثمار” (Tera Yatırım Menkul Değerler)، ذراع الوساطة المالية لمجموعة “تيرا”، بنسبة 10.4%، وصندوق استثماري تابع لشركة “تيرا لإدارة المحافظ” بنسبة 8.18%، بحسب بيانات منصة الإفصاح العام.
ويُذكر أن صندوق “تيرا” المساهم في “دستك فاينانس” هو واحد من بين خمسة صناديق استثمارية تابعة لشركة “تيرا لإدارة المحافظ” صدر بحقها قرار منفصل بالإغلاق والتصفية من قبل مجلس الأسواق المالية (تزامناً مع إشارات لقرار بتصفية نحو 130 صندوقاً استثمارياً عقب موجة التراجعات الأخيرة). وتوضح هذه الشبكة المعقدة من الملكيات المتقاطعة والأصول المشتركة الدوافع الأساسية وراء توسيع الشرطة لعمليات المداهمة والتفتيش لتشمل مؤسسات تابعة للمجموعتين الماليتين.
وكانت شركة “دستك فاينانس” قد شهدت صعوداً قياسياً جعلها ثاني أكبر شركة في بورصة إسطنبول من حيث القيمة السوقية قبل تراجعاتها الأخيرة. ورغم انخفاض أسهمها بنسبة 37% مقارنة بأعلى مستوى سجلته في مطلع شهر يوليو/تموز، إلا أنها ما تزال تظهر مكاسب تتجاوز 300% منذ بداية العام.
“دورة التضخيم الاصطناعي”: كيف تهاوت السيولة في الصناديق؟
بدأت ملامح الأزمة في الصعود إلى السطح عقب إفصاح شركة “بوسولا لإدارة المحافظ” (Pusula Portföy)، التي تُعد واحدة من أكبر شركات إدارة الأصول في تركيا، عن عجز بعض صناديقها عن تلبية طلبات المستثمرين الراغبين في استرداد أموالهم ومستحقاتهم المالية. وأعلنت كل من “تيرا لإدارة المحافظ” وشركة “أطلس لإدارة المحافظ” (Atlas Portföy) لاحقاً عن تسجيل تأخيرات ومصاعب في الاستجابة لطلبات السحب. وكان صندوقا “تيرا” و”بوسولا” يديران معاً حجماً أصولياً يقدر بنحو 27 مليار دولار حتى نهاية شهر أغسطس/آب. وشهد يوم الأربعاء وحده سحبيات ضخمة نفذها المستثمرون بلغت زهاء مليار دولار من الصناديق الاستثمارية التركية، استناداً إلى بيانات “فينتيبلز” الموثقة لدى بلومبرغ وصحيفة فايننشال تايمز.
وفي تفسيرهم للظاهرة، نقلت صحيفة فايننشال تايمز عن محللين في الأسواق المالية أن عدداً من الصناديق التركية عمدت على مدار العامين الماضيين إلى توجيه سيولتها لشراء حصص كبيرة ومكثفة في مجموعة محدودة من الشركات المرتبطة بها بعلاقات ملكية وثيقة. وكانت النسبة المتاحة للتداول العام من أسهم تلك الشركات (الأسهم الحرّة) تتسم بالضآلة والقلة.
وأدت عمليات الشراء المركزية إلى رفع مستمر لأسعار تلك الأسهم، مما عكس تقييمات مرتفعة لقيم الأصول الإجمالية للصناديق الممتلكة لها. واستقطبت العوائد المرتفعة المسجلة شريحة أوسع من المستثمرين، مما ضخ سيولة جديدة جرى استخدامها مجدداً في شراء الأسهم ذاتها أو أسهم ذات صلة. غير أنه بمجرد لجوء المستثمرين لمطالبات استرداد أموالهم، اضطر مديرو الصناديق لتسييل الأصول وبيع الأسهم في السوق، الأمر الذي فرض ضغوطاً هبوطية حادة على الأسعار، وأطلق دورة عكسية متسارعة من طلبيات السحب والانهيار.
اضطراب التداولات وردود الفعل الرسمية والمضادة
عكست لوحات التداول في بورصة إسطنبول حجم الصدمة، إذ تراجع المؤشر الرئيسي لأسعار الأسهم التركية “بيست 100” (BIST 100) بنسبة بلغت زهاء 6% خلال تعاملات يوم الأربعاء. واستدعى ذلك تفعيل نظام كبح التداولات التلقائي لتعليق الجلسة لفترة وجيزة بعد تجاوز الخسائر نسبة 6%، بهدف امتصاص الهلع والحد من عمليات البيع العشوائي.
ومن جانبها، أصدرت لجنة الاستقرار المالي التركية بياناً عزت فيه الاضطراب الراهن إلى صعوبات في الاقتراض وشح في السيولة النقدية لدى صناديق محددة تديرها مجموعة محدودة من الشركات. ووصف البيان المشكلة بأنها أمر “مؤقت ويمكن السيطرة عليه”، مؤكدة عدم وجود أي مخاطر هيكلية تهدد استقرار بورصة إسطنبول أو المنظومة المالية الكلية في البلاد.
في المقابل، قدم إمري تيزمن، رئيس مجلس إدارة مجموعة “تيرا”، رواية مغايرة، واصفاً الأحداث التي شهدها يوم الأربعاء بأنها “هجوم مضاربي مخطط ومدروس ومُنظم”. وأكد تيزمن أن نقص السيولة في بعض صناديق المجموعة لا يعدو كونه مسألة مؤقتة، مشدداً على الالتزام الكامل لمجموعته بالقوانين والضوابط التنظيمية المعمول بها. وفي الأثناء، تداولت وسائل إعلام تركية أنباء عن صدور قرار قضائي يمنع تيزمن من السفر خارج البلاد لمتابعة التحقيقات الجارية.
تحذيرات دولية ومخاطر خفض التصنيف المالي لتركيا
لم تكن المخاوف المتصلة بتركز تداولات الصناديق جديدة على الأسواق، إذ سبق للجهات الدولية إطلاق إشارات تحذيرية. ففي يونيو/حزيران الماضي، أصدرت مؤسسة “إم إس سي آي” (MSCI)، المتخصصة في إعداد المؤشرات المالية العالمية التي تعتمد عليها الصناديق الاستثمارية الدولية، تحذيراً شمل رصد حالات متكررة من التداولات المشتبه في كونها منسقة وموجهة نحو استثمارات الصناديق والشركات التركية ذات رأس المال الصغير.
وأوضحت المؤسسة الدولية أنها قد تضطر إلى بدء إجراءات رسمية لإعادة تصنيف تركيا، ونقلها من قائمة الأسواق الناشئة إلى الأسواق المبتدئة، إذا لم تُظهر السلطات التنظيمية والرقابية التركية إحراز تقدم ملموس وحقيقي في معالجة هذه الاختلالات بحلول شهر نوفمبر/تشرين الثاني. ويرى مراقبون أن خفض التصنيف – حال حدوثه – قد يؤدي إلى تخلي الصناديق العالمية الكبرى التي تتبع مؤشرات الأسواق الناشئة عن تملك الأسهم التركية ومباشرة عمليات بيع قسرية واسعة النطاق.

