يرى المحلل السياسي التركي سعيد صفاء أن قرار “البطلان المطلق” الذي طال المؤتمر العام الأخير لحزب الشعب الجمهوري لا يمثل مجرد إجراء قانوني عابر، بل هو بمثابة “انقلاب مدني” مكتمل الأركان تقوده السلطة لإعادة صياغة الخارطة السياسية المعارضة. ويؤكد صفاء أن هذا المسار القضائي هو سلاح “القصر” المفضل للتدخل في الشؤون الداخلية للأحزاب، مما يجعل من الديمقراطية الحزبية رهينة لإرادة النظام.
التكييف القانوني والسياسي: الموت المؤسساتي
يذهب سعيد صفاء، في تحليله عبر قناته على يوتيوب، إلى أن حكم “البطلان المطلق” يعني قانونياً أن القيادة الحالية برئاسة أوزغور أوزل أصبحت “في حكم العدم”، وكأن العامين ونصف العام الماضيين من عمر الحزب قد شطبا من السجل الرسمي. هذا الوضع يضع الحزب في مأزق شرعي وتاريخي، حيث لا يمكن للقيادة الحالية التمسك بمناصبها أو مقر الحزب أمام قوة القانون التي قد تستخدم الشرطة لإخلائهم. ويوضح صفاء أن النظام اتبع استراتيجية “الإخافة بالموت للقبول بالحمى”، حيث لوح بإغلاق الحزب تماماً عبر قضايا جديدة، ليدفع الجميع للقبول بقرار البطلان كأخف الضررين.
سلاح الابتزاز والعمليات الاستخباراتية
يشير صفاء بوضوح إلى دور الأجهزة الأمنية والاستخباراتية في هندسة هذا المشهد، مؤكداً وجود ملفات ابتزاز تتعلق بالحياة الخاصة لأعضاء في قيادة الحزب الحالية. ويرى أن نشر “أشرطة” وتفاصيل شخصية ليس سوى جزء من عملية (الدعاية السوداء) لإسقاط رموز المعارضة أخلاقياً وشعبياً. هذا الترهيب طال حتى المناديب وعائلاتهم لضمان تغيير موازين القوى داخل الحزب، وهو ما يصفه صفاء بأنه تحويل للسياسة إلى ساحة “تصفية حسابات” بعيدة عن المبادئ.
معضلة القيادة: بين عودة كليتشدار أوغلو وانحسار أوزل
في قراءته لشخصية كمال كليتشدار أوغلو، يرى سعيد صفاء أنه كان “المرشح الأضعف” الذي فضله أردوغان في الانتخابات السابقة، وأن محاولات عودته الآن عبر بوابة “البطلان المطلق” تخدم استراتيجية نظام أردوغان في تمزيق الحزب. ويحلل صفاء موقف أوزغور أوزل وفريقه بأنهم فشلوا في استيعاب “شفرات النظام” منذ أحداث 15 تموز 2016، وظلوا يتحركون ضمن الخطوط الحمراء التي رسمها القصر، مما جعلهم لقمة سائغة في يد القضاء المسيس.
استراتيجية “تحييد المنافسين”: إمام أوغلو ومنصور ياواش
يؤكد صفاء أن الهدف النهائي من هذه الفوضى هو منع ظهور أي مرشح قوي يمكنه منافسة أردوغان في المستقبل. فبينما يتم تكبيل أكرم إمام أوغلو بالقضايا الجنائية والحظر السياسي، يتم الزج بمنصور ياواش في صراعات داخلية وتحالفات اضطرارية مع كليتشدار أوغلو لإضعاف شعبيته. ويرى المحلل أن النظام لن يسمح لمنصور ياواش بالترشح إذا ظهرت أي بوادر لقدرته على الفوز، تماماً كما فعل مع إمام أوغلو، مما يجعل المعارضة في حالة “شلل استراتيجي”.
التفتت الداخلي والغياب الشعبي
ينتقد سعيد صفاء بنية حزب الشعب الجمهوري الداخلية، واصفاً إياها بأنها غرقت في صراعات “الكليكات” والمصالح الضيقة. ويشير إلى أن الانقسامات الأيديولوجية والمذهبية داخل الحزب تم استغلالها من قبل السلطة لضرب المعارضة من الداخل. كما يعتب صفاء على القواعد الشعبية للحزب التي لم تبدِ رد فعل قوياً في الشارع يوازي حجم “الضربات القضائية”، معتبراً أن غياب الحشود عن المحاكم (كما حدث في قضية إمام أوغلو) أعطى النظام الضوء الأخضر للاستمرار في تغوله.
المستقبل القاتم: انتخابات محكومة أو الإغلاق
يختم سعيد صفاء تحليله برؤية تشاؤمية للمرحلة المقبلة، حيث يتوقع أن تؤدي هذه التطورات إلى انقسام الحزب إلى كيانين ضعيفين، أو تحويله إلى هيكل صوري لا قيمة له في الانتخابات القادمة. ويرى أن “قرار البطلان” يحمل في طياته مسوغات قانونية قد تستخدم لاحقاً لإغلاق الحزب بالكامل إذا اقتضت مصلحة النظام ذلك، مما يعني أن تركيا مقبلة على “انتخابات محكومة” يحدد النظام فيها منافسيه وتاريخها بما يضمن استمراريته.
خلاصة
يمثل قرار “البطلان المطلق” أداة سياسية بعباءة قانونية تهدف لتفتيت حزب الشعب الجمهوري من الداخل وتجريد قيادته من الشرعية، لضمان ساحة سياسية خالية من منافسين حقيقيين قادرين على تهديد بقاء النظام الحالي.

