تطرح إعادة فتح التحقيقات في ملف قضية ضابط الاستخبارات التركي الراحل، كاشف كوزين أوغلو، تساؤلات عميقة حول ما إذا كانت وفاته داخل السجن مجرد عارض صحي أم عملية اغتيال منظمة تسلط الضوء على خفايا “الدولة العميقة” وصراع الأجنحة داخل مؤسسات القرار في أنقرة.
وتتقاطع في هذه القضية خيوط المعارك القضائية والاستخباراتية، وصناعة الرأي العام عبر الدراما والإعلام، وصولاً إلى ملفات الاغتيالات السياسية الكبرى التي شهدتها البلاد.
المسار العملياتي لكاشف كوزين أوغلو: من القوات الخاصة إلى أروقة الاستخبارات
بدأ كاشف كوزين أوغلو حياته المهنية ضابطاً في صفوف القوات الخاصة التابعة للجيش التركي، قبل أن ينتقل إلى جهاز الاستخبارات الوطني (MİT) ليعمل كعنصر عملياتي ميداني وليس كمحلل استخباراتي كلاسيكي.
ولم تكن المرة الأولى التي يظهر فيها اسم كوزين أوغلو في الفضاء العام عند اعتقاله أو وفاته عام 2011، بل يعود أول كشف إعلامي لهوية كوزين أوغلو إلى عام 1997 عبر مجلة “أيدينليك” المملوكة لسياسي اليمين القومي دوغو برينجك، زعيم حزب الوطن، الحليف للرئيس رجب طيب أردوغان من خارج الحكومة.
رواية التسريب الأول (1997)
نشرت مجلة “أيدينليك” حينها تقريراً على غلافها يتحدث عن “منظمة تشيلر الخاصة” وشراكتها مع حزب الاتحاد الكبير، متهمة كوزين أوغلو بأنه يعمل لصالح مدير قسم مكافحة الإرهاب في الاستخبارات محمد أيمور، وأنه يقود تحركات واستفزازات تنظيم “نظام العالم” في الصين، فضلاً عن عمله ملحقاً عسكرياً في مقر الجنرال الأفغاني عبد الرشيد دوستم، مدعية أن رئاسة الأركان التركية كشفت عن عمله لصالح الاستخبارات الأمريكية.
خلفية الصراع السياسي
جرت هذه التسريبات في إطار محاولة رئيسة الوزراء آنذاك تانسو تشيلر تنظيم مخطط لاغتيال زعيم حزب العمال الكردستاني عبد الله أوجلان الموجود في سوريا حينها لإنقاذ شعبيتها السياسية والاحتفاظ بالسلطة في ظل أزمة اقتصادية خانقة، مستعينة بشخصيات بارزة في تنظيم “الدولة العميقة” (أرغنيكون) مثل وزير الداخلية الأسبق محمد أغار.
انقسام أجهزة الدولة
عارض جناح آخر بقيادة رئيس الوزراء مسعود يلماز وفصائل داخل جهاز الاستخبارات والمؤسسة العسكرية تنفيذ عملية الاغتيال ضد أوجلا، مخافة أن تؤدي إلى تكريس سلطة تشيلر بشكل دائم، مما دفع دوغو برينجك المنتمي لهذا الجناح إلى تسريب أسماء المكلّفين بالعملية، وكان كوزين أوغلو في مقدمتهم.
فضيحة محكمة التمييز وملف “علاء الدين شاكجي” (2004)
عاد اسم كوزين أوغلو إلى الواجهة القضائية عام 2004 في قضية هزت أركان القضاء التركي، وتمثلت في كشف اتصالات سريّة بين جهاز الاستخبارات الوطني ومحكمة التمييز لصالح زعيم الجريمة المنظمة علاء الدين شاكجي.
كشفت التحقيقات والوثائق عن لقاءات جمعت رئيس محكمة التمييز أراسلان أوزكايا بكوزين أوغلو (الذي كان يشغل منصب رئيس قسم في الاستخبارات)، حيث طلب كوزين أوغلو تأجيل أو البتّ لصالح شاكجي في قضية الهجوم على ملهى “كاراجومروك” لمنع صدور حكم بالسجن المؤبد بحقه، مبررا طلبه بأن الدولة ترغب في إعادة استخدام شاكجي في مهمات خارجية، إضافة إلى السعي لاستعادة تسجيلات ووثائق مهمة بحوزته. وتم الترتيب لتوفير مقاول (حقي سوها أوكاي)، بتوجيه من شاكجي، ليتولى عمليات ترميم وتجديد الفيلا الخاصة برئيس محكمة التمييز مقابل التدخل في الملف القضائي.
لكن حاول مستشار الاستخبارات آنذاك شنكال أطاساغون نفي طلب الجهاز تأخير القضية، بينما أكد القاضي أوزكايا أن كوزين أوغلو حضر بصفته الرسمية كممثل للاستخبارات.
ثم تبيّن أن أطاساغون (الذي يشغل حالياً منصب مستشار زعيم حزب الحركة القومية دولت بهتشلي) هو من أرسل كوزين أوغلو، حيث كان أطاساغون ينتهج استراتيجية استخدام عناصر المافيا لصالح المهمات السريّة للجهاز، وهي المجموعة ذاتها التي ضغطت لاحقاً للإفراج عن شاكجي رغم تورطه في عشرات جرائم القتل.
طالت التحقيقات نائب الأمين العام لمحكمة التمييز أرجان يالتشين كايا، الذي تواصل مع زعيم المافيا سدات بكر لاستغلال علاقات الأخير بشخصيات في “الدولة العميقة” (مثل فيلي كوتشوك) لتخليصه من القضية.
صدر في النهاية حكم بالسجن لمدة 5 أشهر فقط بحق كوزين أوغلو؛ وتعمّدت الجهات القضائية ألا تتجاوز العقوبة 6 أشهر لضمان عدم فصله من الوظيفة العامة، وتحمّل كوزين أوغلو المساءلة لحماية مستشار الاستخبارات أطاساغون من الإقالة على يد رئيس الوزراء بولنت أجاويد.
حرب التقارير السرية: مواجهة “وادي الذئاب” والبلاغات القضائية (2005)
شهد عام 2005 تصاعداً في المواجهة بين كوزين أوغلو والجناح المحسوب على دوغو برينجك والعقيد في استخبارات الجندرمة (JİT) حسن أتيلا أوغور. حيث قدم برينجك بلاغاً قضائياً يتهم فيه 4 من كبار مسؤولي الاستخبارات للتخطيط لاغتياله، وهم: مستشار الجهاز السابق سونميز كوكصال، رئيس قسم العمليات شنكال أطاساغون، رئيس قسم مكافحة الإرهاب السابق محمد أيمور، وكاشف كوزين أوغلو.
رفض رئيس الوزراء آنذاك (2005) رجب طيب أردوغان منح الإذن الإداري لملاحقة هؤلاء المسؤولين اعتباراً لادعاءات غير واقعية، إلا أن برينجك طعن في القرار أمام مجلس الدولة الذي ألغى قرار أردوغان وفتح الطريق أمام التحقيق.
تقرير “وادي الذئاب” السرّي
في المقابل، وبناءً على طلب من رئيس الجمهورية أحمد نجدت سيزر، أعد كوزين أوغلو تقريراً سرياً يتكون من 12 بنداً وقدمه لمستشار الاستخبارات أطاساغون حول كواليس المسلسل الدرامي “وادي الذئاب”.
كشف التقرير أن كاتب المسلسل راجي شاشماز والمخرج عثمان سيناف يحصلان على التوجيهات والرؤية الأمنية والمعلومات الحساسة مباشرة من نائب رئيس استخبارات الجندرمة العقيد حسن أتيلا أوغور، عبر سجلات اتصالات وتنسيق تولاه ضابط صف.
أوضح تقرير كوزين أوغلو أن المسلسل شُكّل ليكون غطاءً فكرياً وإعلامياً يشرعن الممارسات الخارجة عن القانون وعمليات “الدولة العميقة” والمافيا تحت ستار الوطنية، مما وضع كوزين أوغلو في مواجهة مباشرة مع العقيد حسن أتيلا أوغور المحسوب على مجموعة برينجك.
قضية “أودا تي في” وتكشيف الوجه: نقطة التحول والاعتقال (2011)
استمرت الصراعات الخفية حتى عام 2010 عندما أثار النائب عن حزب الشعب الجمهوري حقي سوها أوكاي استجواباً برلمانياً يشكك في صحة الشيك الصادر بشهادة كوزين أوغلو الجامعية من جامعة طشكند، متهماً إياه بالتزوير لعرقلة ترقيته لمنصب مدير عام أو مستشار للجهاز، في عملية تسريب شنتها الأجنحة المنافسة.
وفي عام 2011، صدر قرار اعتقال كوزين أوغلو على خلفية قضية “أودا تي في” (OdaTV) بعد العثور على وثائق سرية تتعلق بالحكومة بحوزة الصحفي سونر يالتشين.
كان كوزين أوغلو يؤدي مهمة رسمية في آسيا الوسطى، وأرسل رئيس الاستخبارات هاكان فيدان طائرة خاصة لإعادته إلى أنقرة، واستجوبه شخصياً ثم طالبه بالإدلاء بشهادته أمام القضاء.
اعتاد عناصر الاستخبارات الدخول إلى مبنى المحكمة عبر باب خاص مخصص للقضاة والدبلوماسيين لضمان سرية هوياتهم. لكن في يوم وصول كوزين أوغلو، تم اقتياده عبر الباب الرئيسي المخصص للجمهور والصحافة، حيث كان المصورون في انتظاره وتمت تسميته باسمه وتسجيل مقطع الفيديو الوحيد له وهو يغطي وجهه.
اعتبر كوزين أوغلو أن إظهار وجهه إعلامياً هو إنهاء قسري لحياته المهنية بتدبير من هاكان فيدان الذي اتهمه بالتخلي عنه بخلاف المساندة التي حظي بها سابقاً من أطاساغون. دفع هذا الموقف كوزين أوغلو إلى كتابة مذكرات خطية مطولة داخل سجنه للضغط من أجل الإفراج عنه.
غموض الوفاة في سجن سيليفري وسرقة “مذكرات الألف صفحة“
أودع كوزين أوغلو في سجن سيليفري وضُمّ في خلية واحدة مع خصمه القديم العقيد حسن أتيلا أوغور. وخلال فترة احتجازه، صاغ مذكرات تفصيلية بلغت زهاء 1000 صفحة، تضمنت هجوماً حاداً واتهامات لرئيس الاستخبارات هاكان فيدان بالارتباط بأجهزة خارجية وجماعات نفوذ.
في نوفمبر 2011، وقبل أيام قليلة من موعد إدلائه بشهادته الأولى أمام المحكمة، شعر كوزين أوغلو بآلام حادة في الصدر وضغط على زر الطوارئ، ونُقل على نقالة حيث توفي لاحقاً، وأُعلنت الوفاة نتيجة أزمة قلبية حادة بسبب الإجهاد الرياضي.
عقب الوفاة مباشرة، اختفت المذكرات من الخلية. وأكدت عائلة كوزين أوغلو أن نحو 102 صفحة فقط من أصل 1000 صفحة تم استخلاصها وتسريبها.
بعد 3 أيام من الوفاة، نشرت صحيفة “أيدينليك” التابعة لدوغو برينجك التقديم تحت عنوان “رسائل كوزين أوغلو إلى أيدينليك”، وحولتها لاحقاً إلى كتاب.
رفعت عائلة كوزين أوغلو دعاوى قضائية ضد الصحيفة وبرينجك، مؤكدة أن كوزين أوغلو لم يرسل أي رسائل للصحيفة، وأن الأوراق المقتطعة هي أجزاء مسروقة من مسودة دفاعه داخل السجن، متهمة رفيقه في الخلية حسن أتيلا أوغور بسرقتها وتسليمها لحزبه.
ادعى مدير تحرير الصحيفة أن الوثائق وصلت عبر البريد من مصدر مجهول، بينما صرح دوغو برينجك تلفزيونياً بأن كوزين أوغلو أرسلها إليه مباشرة، مما كشف تناقضاً في رواية الحصول على الوثائق.
تعيد هذه الواقعة الاستراتيجية ذاتها التي شهدتها قضية الرائد جم إرسيفر في التسعينيات؛ حيث كشف إرسيفر معلومات عن تجاوزات الجندرمة وتجارة المخدرات في الجنوب الشرقي للصحفي سونر يالتشين (المحسوب على برينجك)، ليُقتل إرسيفر عقب ذلك وينشر يالتشين كتاباً مقتضباً يحذف التفاصيل الفاضحة لقيادات الدولة العميقة.
خيوط الاغتيال المتقاطعة: من نجيب هابليميت أوغلو إلى كوزين أوغلو
تكشف مقارنة الملفات عن تقاطع مباشر بين سيناريو تصفية كوزين أوغلو واغتيال الأكاديمي التركي نجيب هابليميت أوغلو أمام منزله عام 2002.
أدلت شينجول هابليميت أوغلو بشهادة رسمية عام 2016 أكدت فيها أن زوجها كان يتلقى مظاريف صفراء تتضمن معلومات استخباراتية سريّة وسلمه إياها العقيد حسن أتيلا أوغور أمام مقر قيادة الجندرمة، حيث كان يعمل تحت إمرة الفريق شينار إرويغور.
نشر هابليميت أوغلو تحقيقات حول المنظمات الألمانية ومناجم الذهب والتغلغل المؤسسي، اعتماداً على تلك الوثائق التي تبيّن لاحقاً أن أوغور وأجهزة الجندرمة ضمنتها معلومات مغلوطة ومصنوعة بهدف استهداف حكومة حزب العدالة والتنمية حديثة العهد آنذاك.
تواصل عبد الله غول مع هابليميت أوغلو وأوضح له الحقائق والمغالطات في الوثائق، مما جعل هابليميت أوغلو يدرك تعرضه للاستغلال. وقبل مقتله بأيام، أعلن للصحفيين أنه يستعد للإدلاء بشهادة واستعراض حقائق خطيرة في الجلسة القضائية المقبلة تصدم قيادات الجندرمة.
لمجابهة خطر انكشاف المخطط، أوعزت القيادات العسكرية (شينار إرويغور وحسن أتيلا أوغور) إلى وحدة البحث والإنقاذ القتالية الخاصة (MAK) التابعة للقوات الخاصة بقيادة العقيد ليفينت غوكتاش بتنفيذ تصفية هابليميت أوغلو أمام منزله.
ومن اللافت أن كلا من هابليميت أوغلو وكوزين أوغلو قُتل في توقيت سبقت فيه محاكمتهما أو إدلاءهما بشهادات علنية كان من شأنها كشف دور العقيد حسن أتيلا أوغور وشبكات الدولة العميقة أمام القضاء.
تولى حسن أتيلا أوغور والقاضي تورغوتاي أوكتاي إدارات التحقيق ومحاكمة عبد الله أوجلان بعد إلقاء القبض عليه في كينيا في فبراير عام ١٩٩٩ لمنع الخوض في علاقاته الدولية والإقليمية، لينضما لاحقاً كقياديين في “حزب الوطن” بقيادة دوغو برينجك.
إعادة فتح الملفات والتوظيف السياسي في تركيا المعاصرة
تأتي التطورات الأخيرة المتمثلة في توقيف صحفيين سابقين في وكالة دوغان للأجواء (مثل صلاح الدين جونداي) واستدعاء محامين على خلفية التحقيقات المفتوحة في قضية وفاة كوزين أوغلو، ضمن سياق إعادة استخدام ملفات الاغتيالات القديمة من قبل السلطة الحاكمة.
مثلما جرى فتح ملف اغتيال هابليميت أوغلو بعد محاولة انقلاب 2016 لاستخدامه كأداة ضغط ضد أجنحة الجيش والمجموعات القومية (المرتبطة برينجك وغوكتاش) لإخضاعها، ثم التوصل إلى مساومات أدت لتخلية سبيل عناصر فرقة (MAK) والمتحفظ عليهم؛ يُعاد اليوم فتح ملف كوزين أوغلو لإرغام الفصائل التقليدية في أجهزة الدولة على الامتثال الكامل للتوجهات السياسية الجديدة.
تُظهر هذه التطورات أن النبش في ملفات الاغتيالات السابقة لا يستهدف بالضرورة المحاسبة القضائية المجردة، بل يتم توظيفه كأوراق مناورة سياسية لإحكام السيطرة على صانعي القرار الأمني وتفكيك الأجنحة المتمردة داخل مؤسسات الدولة.
ومع أن الحكومة تحاول، كما فعلت في العديد من الملفات الغامضة التي لم تُحسم ملابساتها، تحميل «حركة الخدمة» مسؤولية قضية كاشف كوزان أوغلو، فإن المؤشرات المتصلة بهذه القضية توحي بأن الجهة التي يجري الضغط عليها أو التفاوض معها عبر هذا الملف هي في الواقع مجموعة دوغو برينجك ودائرته. كما أن طبيعة علاقات كاشف كوزان أوغلو، سواء مع خصومه السابقين أو مع منافسيه الجدد، وما اتسمت به تلك العلاقات من صراعات وتقاطعات، تفتح الباب أمام فهم مختلف لملابسات وفاته والجهات التي تقف وراءها. وبعبارة أخرى، قد لا يكون تحديد الجاني والمسؤول الحقيقي عن هذه القضية هو العقدة الأساسية بقدر ما أصبحت القضية نفسها ساحة صراع وتوازن قوى بين رجب طيب أردوغان وأطراف الدولة العميقة، أو ورقةً في لعبة شدّ الحبل والمساومة بين الجانبين.

