سجل صافي الاستثمار الأجنبي المباشر المتدفق إلى تركيا على مدى 12 شهراً تحولاً تاريخياً بدخوله المنطقة السالبة، وذلك للمرة الأولى منذ عام 2000. وتأتي هذه التطورات استناداً إلى بيانات حديثة صادرة عن البنك المركزي التركي، والتي كشف عنها الأكاديمي والرئيس السابق لإدارة البحوث الاقتصادية بالبنك، الأستاذ الدكتور هاكان كارا.
وأظهر الرسم البياني الذي نشره كارا نقطة تحول بارزة في مسار تدفقات رؤوس الأموال الأجنبية الوافدة إلى البلاد. وفي تعليق على هذه الأرقام، وصف الخبير الاقتصادي البريطاني تيموثي أش هذا التراجع بأنه يشكل “كارثة حقيقية لتركيا”.
مسار دراماتيكي من ذروة 2007 إلى النطاق السالب
صعود سريع ثم انكسار متواصل
توضح المعطيات التاريخية الصادرة عن البنك المركزي التركي أن الاستثمارات الأجنبية المباشرة شهدت انتعاشاً وصعوداً قوياً في منتصف العقد الأول من القرن الحادي والعشرين. وقدرت البيانات أن صافي هذه الاستثمارات بلغ ذروته التاريخية في عام 2007 متجاوزاً حاجز 26 مليار دولار أمريكي.
غير أن السنوات التالية شهدت مساراً متذبذباً اتخذ منحنى تنازلياً عاماً في مجمله. وقد تفاقم ضعف تدفقات الاستثمار الأجنبي بشكل ملحوظ عقب عام 2020، قبل أن تنزلق مؤخراً إلى دون مستوى الصفر وتصبح سالبة. وأكد الدكتور هاكان كارا في بيانه أن الاستثمار المباشر السنوي يمر بهذه الوضعية السالبة لأول مرة منذ نحو 26 عاماً.
تحليل التداعيات الاقتصادية والهيكلية
فارق جوهري بين الاستثمار المباشر والأموال الساخنة
أوضح الخبير الاقتصادي تيموثي أش أن التدفقات السالبة تمثل جرس إنذار شديد الخطورة للاقتصاد التركي. وأشار أش إلى أن الاستثمار الأجنبي المباشر يتميز بكونه مصدراً للتمويل الخارجي لا يترتب عليه أي ديون، فضلاً عن دوره المحوري في تحقيق التحول الهيكلي ودعم النمو الاقتصادي المستدام.
وعلى عكس الاستثمارات المالية قصيرة الأجل أو ما يُعرف بتدفقات المحافظ المالية، ينطوي الاستثمار المباشر على ضخ أموال طويلة الأجل، وعمليات استحواذ على الشركات، وإنشاء منشآت جديدة، وزيادة القدرات الإنتاجية.
تأثير شامل على التنمية والإنتاج
وينعكس التحول إلى النطاق السالب لصافي الاستثمار المباشر على مجمل المؤشرات التنموية في البلاد، ولا يقتصر أثره على شح التدفقات النقدية من العملات الأجنبية فحسب. بل يمتد هذا الأثر السلبي ليمس قطاعات الإنتاج المباشر، ومعدلات التوظيف وخلق فرص العمل، وعمليات نقل التكنولوجيا الحديثة، بالإضافة إلى إضعاف القدرة على تحقيق النمو الاقتصادي على المدى البعيد.
جذور الأزمة وعوامل الاستقرار المطلوب
ضرورة مراجعة البيئة الاستثمارية والتنافسية
شدد تيموثي أش على وجوب طرح تساؤلات جادة لبحث الأسباب الحقيقية التي أدت إلى هذا الانقلاب في حركة رؤوس الأموال الأجنبية. ودعا أش إلى تقييم شامل لعدة محاور رئيسية، في مقدمتها مدى تحقق الاستقرار في الاقتصاد الكلي، وجهوزية بيئة الأعمال، بالإضافة إلى مستوى التنافسية الاقتصادية التي تتمتع بها البلاد.

