أكد زعيم حزب الديمقراطية والتقدم علي باباجان أن الأزمة الاقتصادية التي تعيشها تركيا لم تعد قضية تقنية مرتبطة فقط بأسعار الفائدة أو السياسات النقدية، بل أصبحت ـ بحسب وصفه ـ نتيجة مباشرة لتراجع العدالة والديمقراطية وسيادة القانون، معتبراً أن أي محاولة لإنعاش الاقتصاد دون إصلاح سياسي ومؤسساتي شامل ستبقى محدودة الأثر وغير قادرة على تحقيق استقرار دائم.
وجاءت تصريحات باباجان خلال مشاركته في فعالية خاصة بمناسبة عيد الأم نظمتها الهيئة النسائية لحزب الديمقراطية والتقدم في ولاية تشوروم، حيث قدّم سلسلة رسائل سياسية تناولت الاقتصاد والسياسة الخارجية والتحالفات الحزبية ومستقبل المعارضة التركية.
العدالة قبل الاقتصاد
في واحدة من أكثر رسائله وضوحاً، شدد باباجان على أن تحسين الوضع الاقتصادي في تركيا يبدأ من استعادة الثقة بمؤسسات الدولة، موضحاً أن المستثمر والمواطن على حد سواء يحتاجان إلى بيئة قائمة على العدالة والشفافية واحترام القانون.
وقال إن الاقتصاد لا يمكن أن يتعافى في ظل غياب الحريات الأساسية، مضيفاً أن الديمقراطية وحرية التعبير واستقلال القضاء تشكل الركائز الحقيقية لأي نهضة اقتصادية مستدامة.
وأشار إلى أن المواطنين يجب أن يكونوا قادرين على التعبير عن مشكلاتهم وانتقاداتهم بحرية، معتبراً أن تقييد المجال العام وانحسار حرية الرأي يؤديان تلقائياً إلى تعميق الأزمات الاقتصادية والاجتماعية.
كما ربط بين تراجع الأداء الاقتصادي وبين طريقة إدارة الدولة، مؤكداً أن تركيا بحاجة إلى كوادر “كفوءة ونزيهة وذات خبرة”، وأن اتخاذ القرارات عبر التشاور والمؤسسات هو السبيل الوحيد لمعالجة المشكلات المتراكمة.
انتقاد ضمني لإدارة السلطة
ورغم أنه لم يسمِّ الحكومة بشكل مباشر، فإن خطاب باباجان حمل انتقاداً واضحاً لأسلوب إدارة السلطة الحالية، خاصة فيما يتعلق بتركيز القرار السياسي والاقتصادي في يد دائرة ضيقة، وهي نقطة تكررها أحزاب المعارضة التركية منذ سنوات.
وأكد أن البلاد تمتلك إمكانات هائلة تؤهلها لتجاوز أزماتها، مشيراً إلى أن تركيا دولة كبيرة وقوية، وتمتلك أكبر مساحة أراضٍ زراعية في أوروبا، إلى جانب قاعدة سكانية شابة وضخمة تمثل ـ بحسب وصفه ـ فرصة استراتيجية إذا ما أُحسن استثمارها.
وأضاف أن تركيا نجحت تاريخياً في تجاوز أزمات كبرى، وأن قدرتها على النهوض مجدداً لا تزال قائمة، شرط إعادة بناء مؤسسات الحكم على أساس الكفاءة والعدالة.
تحذيرات من البيئة الإقليمية المضطربة
في جانب آخر من حديثه، تطرق باباجان إلى التوترات الإقليمية المتصاعدة، محذراً من تداعيات الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى.
ووصف المنطقة بأنها “حلقة نار” تحيط بتركيا، داعياً إلى الحفاظ على استقرار البلاد في ظل التحولات الجيوسياسية المتسارعة التي تشهدها المنطقة.
وأشار إلى أن الموقع الجغرافي لتركيا يفرض عليها تحديات أمنية وسياسية متزايدة، لكنه أكد في الوقت نفسه أن قوة الدولة التركية ومقدراتها الاقتصادية والبشرية تمنحها القدرة على تجاوز المخاطر الإقليمية إذا ما أُديرت المرحلة بحكمة.
وتأتي هذه التصريحات في وقت تشهد فيه المنطقة تصعيداً عسكرياً غير مسبوق، وسط مخاوف تركية متزايدة من انعكاسات أي مواجهة واسعة على الأمن والطاقة والاقتصاد وسلاسل التجارة الإقليمية.
الشباب والأزمة الاجتماعية
باباجان توقف أيضاً عند ما وصفه بحالة الإحباط المتزايدة بين الشباب التركي، معتبراً أن الشعور بانسداد الأفق الاقتصادي والسياسي أصبح أحد أخطر التحديات التي تواجه البلاد.
وقال إن المعارضة تدرك حجم اليأس الذي يعيشه قطاع واسع من الشباب، لكنها ترى أن هذه الأزمات قابلة للحل إذا توفرت إدارة قائمة على الكفاءة والمؤسسات.
وتنسجم هذه التصريحات مع تصاعد معدلات الهجرة بين الشباب الأتراك خلال السنوات الأخيرة، إضافة إلى تنامي الانتقادات المرتبطة بالبطالة وارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع القوة الشرائية.
المعارضة تتحرك نحو تحالفات أوسع
على الصعيد السياسي، كشف باباجان أن حزبه لا يكتفي بالعمل البرلماني الحالي، بل يستعد للمشاركة في مشروع سياسي وتحالفي أوسع استعداداً للاستحقاقات الانتخابية المقبلة.
وأوضح أن التعاون القائم داخل تكتل “الطريق الجديد” بين حزب الديمقراطية والتقدم وحزبي حزب السعادة وحزب المستقبل تجاوز حدود التنسيق البرلماني التقليدي، ليتحول تدريجياً إلى أرضية لتحالف انتخابي أوسع.
وأشار إلى أن الكتلة البرلمانية المشتركة، رغم محدودية عدد نوابها، نجحت في تحقيق تأثير سياسي يفوق حجمها العددي بسبب نشاطها وتنسيقها المستمر داخل البرلمان.
كما كشف عن وجود مشاورات واتصالات مع قوى سياسية إضافية بهدف توسيع هذا التحالف مستقبلاً، في خطوة تعكس مساعي المعارضة التركية لإعادة بناء جبهة سياسية قادرة على منافسة السلطة الحاكمة في أي انتخابات مقبلة.
دلالات سياسية واقتصادية
تحمل تصريحات باباجان دلالات تتجاوز الشأن الحزبي، إذ تعكس اتجاهاً متنامياً داخل المعارضة التركية يربط الأزمة الاقتصادية بشكل مباشر بطبيعة النظام السياسي وآلية إدارة الدولة، وليس فقط بالسياسات المالية والنقدية.
ويأتي هذا الخطاب في وقت تواصل فيه تركيا مواجهة تحديات اقتصادية معقدة، تشمل التضخم المرتفع، وتراجع قيمة الليرة، والضغوط المعيشية، رغم محاولات الحكومة تقديم صورة أكثر تفاؤلاً بشأن المؤشرات الاقتصادية.
كما أن تركيز باباجان على مفاهيم مثل “العدالة” و”سيادة القانون” و”حرية التعبير” يعكس محاولة لاستعادة الخطاب الإصلاحي الذي ارتبط ببدايات حزب العدالة والتنمية في سنواته الأولى، وهي المرحلة التي كان باباجان أحد أبرز مهندسي سياساتها الاقتصادية.
الخلاصة
علي باباجان اعتبر أن إنقاذ الاقتصاد التركي يبدأ بإصلاح سياسي وقضائي شامل يعيد الثقة بالدولة ومؤسساتها، وليس عبر الإجراءات الاقتصادية وحدها. كما كشف عن تحركات لتوسيع التحالفات المعارضة تمهيداً لمرحلة سياسية وانتخابية جديدة في تركيا.

