في وقت تتزايد فيه المخاوف الدولية بشأن تراجع حرية الصحافة وتصاعد الضغوط على الإعلام المستقل، تحولت العاصمة البلجيكية بروكسل إلى منصة لمناقشة واحدة من أكثر القضايا حساسية في عالم الصحافة المعاصر: معاناة الصحفيين المنفيين، والتحديات التي تواجههم في مواجهة ما بات يُعرف بـ”القمع العابر للحدود”.
وجاءت الفعالية، التي نظمتها مؤسسة “التضامن مع الآخرين” بمناسبة اليوم العالمي لحرية الصحافة، لتسلط الضوء على الأثمان الشخصية والمهنية التي يدفعها الصحفيون الذين اضطروا إلى مغادرة بلدانهم بسبب الملاحقات السياسية والأمنية.
بروكسل تستضيف نقاشًا حول “الأصوات المنفية”
احتضن “نادي الصحافة في بروكسل” النسخة الثانية من “حوارات حرية الصحافة”، التي تنظمها مؤسسة “Solidarity With OTHERS”، وهي منظمة حقوقية مقرها بلجيكا تُعنى بحرية الفكر والتعبير وحقوق الإنسان.
وركزت الجلسة هذا العام على قضية الصحفيين المنفيين، باعتبارها أحد الجوانب الأقل ظهورًا في النقاشات العامة حول حرية الإعلام، رغم تصاعد خطورتها في السنوات الأخيرة.
وشارك في اللقاء صحفيون اضطروا إلى مغادرة بلدانهم، إلى جانب خبراء أوروبيين ومدافعين عن حرية الصحافة وممثلين عن مؤسسات إعلامية وحقوقية.
من الصحافة الرقمية إلى القمع العابر للحدود
النسخة السابقة من “حوارات حرية الصحافة” كانت قد ناقشت تأثير التكنولوجيا والتحول الرقمي على مستقبل المهنة الصحفية، أما هذا العام فقد انتقل النقاش إلى البعد الأمني والسياسي، وتحديدًا إلى كيفية ملاحقة الأنظمة السلطوية للصحفيين حتى بعد خروجهم من أوطانهم.
الندوة التي أدارها الصحفي التركي سلجوق غولطاشلي حملت عنوان: “أصوات في المنفى في عصر القمع العابر للحدود”، وناقشت الأساليب الجديدة التي تستخدمها الحكومات الاستبدادية لإسكات الأصوات المعارضة خارج حدودها.
شهادات من المنفى: الصحافة تحت التهديد المستمر
كان الصحفي التركي ليفنت كينَش، المقيم في السويد، أحد أبرز المتحدثين في الجلسة، حيث استعرض تجربته الشخصية بعد أحداث 15 يوليو 2016 في تركيا، موضحًا أنه تعرض للاعتقال بسبب تقارير صحفية تناولت معلومات تتعلق بمعرفة بعض المسؤولين الأتراك المسبقة بما جرى ليلة الانقلاب.
وأشار إلى أنه اضطر لاحقًا إلى مغادرة البلاد، لكنه أكد أن الخروج من تركيا لم ينهِ الضغوط، بل نقلها إلى مستوى جديد أكثر تعقيدًا.
وتحدث كينش عن استهداف السلطات التركية لعائلات الصحفيين، مستشهدًا بحالة زوجة الصحفي بولنت كوروجو التي تعرضت للاعتقال للضغط عليه وإرغامه على الصمت.
وأكد أن رفض الصحفيين الخضوع لهذه الضغوط حال دون تحول هذا الأسلوب إلى سياسة أوسع تستهدف أسر المعارضين والصحفيين بشكل ممنهج.
ضغوط سياسية حتى داخل أوروبا
كشف كينش أيضًا عن تعرض الصحفيين الأتراك المنفيين لحملات تحريض إعلامية خلال مفاوضات انضمام السويد إلى حلف الناتو، موضحًا أن السلطات التركية طالبت بتسليم صحفيين معارضين، في وقت تعرض فيه بعضهم لاعتداءات جسدية في وضح النهار.
وأضاف أن مسؤولين أتراك حاولوا عرقلة مشاركات صحفيين أتراك في فعاليات داخل مؤسسات الأمم المتحدة، لكن تلك المحاولات لم تنجح.
كما لفت الانتباه إلى تصاعد الرقابة الرقمية، معتبرًا أن التضييق عبر منصات التواصل الاجتماعي أصبح من أكبر التحديات التي تواجه الصحفيين المنفيين.
القمع لا يطارد الأفراد فقط… بل العائلات أيضًا
من جانبها، أكدت إينا بافشيتش، المسؤولة في المركز الأوروبي لحرية الصحافة والإعلام، أن القمع العابر للحدود لا يستهدف الصحفيين وحدهم، بل يمتد إلى عائلاتهم ومحيطهم الاجتماعي.
وأوضحت أن الضغوط لم تعد تقتصر على الملاحقة الأمنية التقليدية، بل تشمل أيضًا الرقابة الإلكترونية، والتهديدات الرقمية، والملاحقات القانونية، وحملات التشهير المنظمة.
وأضافت أن المركز الأوروبي يعمل على تقديم دعم قانوني ومهني للصحفيين الذين يواجهون مثل هذه التهديدات داخل أوروبا.
استغلال الآليات الدولية لقمع المعارضين
الباحث ستيفن رايمر، من معهد الدراسات السياسية في باريس، ركز خلال مداخلته على كيفية استغلال بعض الأنظمة السلطوية للمنظومات الدولية المصممة أساسًا لمكافحة الجريمة العابرة للحدود.
وأشار إلى أن أدوات مثل “الإنتربول” أو آليات مكافحة غسل الأموال أصبحت تُستخدم أحيانًا لملاحقة صحفيين ومعارضين سياسيين تحت غطاء قانوني.
وأوضح أن “النشرات الحمراء” باتت واحدة من أكثر الوسائل شيوعًا في ممارسة الضغط العابر للحدود ضد الأصوات الناقدة.
الصحفي السوري إبراهيم محفوظ: المنفى لا يعني الحرية الكاملة
الصحفي السوري إبراهيم محفوظ، المقيم في بلجيكا، تحدث بدوره عن التحديات المهنية التي يواجهها الصحفيون المنفيون حتى في الدول الديمقراطية.
وأوضح أنه واجه صعوبات كبيرة في إيطاليا بسبب عدم امتلاكه بطاقة صحفية رسمية، ما حدّ من قدرته على ممارسة العمل الإعلامي.
وأشار إلى أن الوضع في بلجيكا يبدو أكثر انفتاحًا، لكنه أكد أن فرص العمل والاستقرار المهني تبقى محدودة للغاية بالنسبة للصحفيين الذين يبدأون حياتهم من الصفر في المنفى.
“لا مكان آمن بالكامل”: تصاعد القمع العابر للحدود
ناقش المشاركون تصاعد ظاهرة “الاستبداد العابر للحدود”، حيث لم تعد الأنظمة السلطوية تكتفي بإسكات الصحفيين داخل حدودها، بل باتت تلاحقهم عبر المراقبة والتهديد والترهيب حتى بعد حصولهم على اللجوء أو الإقامة في أوروبا.
وأكدت المداخلات أن الصحفيين المنفيين يواجهون تحديات متعددة تشمل الغموض القانوني، وانعدام الاستقرار المالي، والعزلة النفسية، وصعوبة الاستمرار في العمل الصحفي.
كما أثيرت مخاوف من أن بعض الدول الأوروبية لا تزال عاجزة عن توفير حماية كاملة للصحفيين الفارين من الأنظمة الاستبدادية.
تقرير جديد يوثق معاناة الصحفيين المنفيين
بالتزامن مع الندوة، أصدرت مؤسسة “التضامن مع الآخرين” تقريرًا بعنوان “أصوات في المنفى في عصر القمع العابر للحدود”.
واعتمد التقرير على مقابلات مع 35 صحفيًا منفيًا من دول مختلفة، حيث وثق تجاربهم مع الملاحقة والرقابة والضغوط النفسية والاقتصادية.
وأشار التقرير إلى أن غالبية الصحفيين واصلوا العمل الإعلامي رغم التهجير، لكنهم ما زالوا يواجهون تهديدات مستمرة، تشمل المضايقات الإلكترونية، والضغوط القانونية، والأزمات المالية، والآثار النفسية العميقة.
تقرير سابق للأمم المتحدة وتحركات أوروبية متصاعدة
الندوة استحضرت أيضًا تقرير “الصحفيين المنفيين” الذي أعدته الرابطة الدولية للصحفيين وقدّم إلى المقرر الخاص للأمم المتحدة عام 2024، والذي حذّر من تصاعد المخاطر التي تواجه الصحفيين الهاربين من القمع السياسي.
وفي السياق ذاته، وصف مجلس أوروبا البرلماني القمع العابر للحدود بأنه تهديد متنامٍ للديمقراطية وحقوق الإنسان وسيادة القانون، بينما يستعد البرلمان الأوروبي للتصويت على تقرير جديد يتعلق بهذه الظاهرة خلال الأشهر المقبلة.
ورغم التحركات الدولية، أكد المشاركون أن الفجوة بين التشريعات والتنفيذ لا تزال كبيرة، وأن آليات الحماية الحالية غير كافية.
حرية الصحافة في مواجهة “الحدود المفتوحة للقمع”
تعكس هذه النقاشات تحوّل القمع السياسي إلى ظاهرة عابرة للحدود، تستخدم فيها الأنظمة السلطوية أدوات قانونية وإعلامية ورقمية لملاحقة معارضيها أينما ذهبوا.
كما تكشف أن المنفى، الذي كان يُنظر إليه تاريخيًا كملاذ آمن للصحفيين، لم يعد يوفر الحماية الكاملة في عصر الرقابة الرقمية والتعاون الأمني الدولي.
وفي المقابل، يبرز تصاعد الاهتمام الأوروبي بهذه القضية كمؤشر على إدراك متزايد لخطورة هذه الممارسات على الديمقراطية وحرية التعبير داخل القارة نفسها.
الخلاصة
سلطت ندوة بروكسل الضوء على التحديات المتفاقمة التي يواجهها الصحفيون المنفيون، في ظل تصاعد القمع العابر للحدود واستمرار الملاحقات السياسية والإلكترونية. كما كشفت النقاشات عن فجوات حقيقية في منظومات الحماية الأوروبية، رغم تنامي التحركات الحقوقية والدولية لمواجهة هذه الظاهرة.

