في تطور لافت يعكس تحولات عميقة في الخطاب السياسي التركي، طرح دولت باهتشلي، زعيم حزب الحركة القومية، مقترحًا يمنح عبد الله أوجلان، الزعيم المعتقل لحزب العمال الكردستاني، صفة رسمية ضمن العملية الجارية لإنهاء النزاع الممتد منذ عقود.
يأتي هذا الطرح في سياق إعادة إحياء مسار التسوية السياسية بعد خطوات ميدانية وسياسية غير مسبوقة خلال العامين الأخيرين.
إعادة تعريف الدور: من سجين إلى “منسق لعملية السلام”
خلال اجتماع الكتلة البرلمانية لحزبه، دعا باهتشلي إلى الانتقال إلى مرحلة جديدة تتضمن إجراءات سياسية وقانونية، مشددًا على أن تجاهل وضع أوجلان لم يعد ممكنًا. واقترح منحه صفة “منسق عملية السلام والانتقال إلى السياسة”، معتبرًا أن سد “فجوة الوضع القانوني” لأوجلان ضرورة لخدمة هدف “تركيا خالية من الإرهاب”.
وأكد أن هذه الصيغة ليست الوحيدة المطروحة، لكنها تعكس توجهًا واضحًا نحو إدماج أوجلان ضمن إطار مؤسساتي يضبط دوره في المرحلة المقبلة، بدل إبقائه في موقع رمزي غير معرّف.
أوجلان: من العزلة إلى مركز العملية السياسية
يقبع أوجلان، البالغ من العمر 77 عامًا، في سجن جزيرة إمرالي منذ اعتقاله عام 1999، حيث يقضي حكمًا بالسجن المؤبد. ورغم عزلته الطويلة، ظل لاعبًا محوريًا في جميع محاولات التسوية السابقة، سواء عبر رسائل سياسية أو دعوات مباشرة لوقف إطلاق النار.
وقد بلغ تأثيره ذروته مجددًا في فبراير 2025، عندما دعا حزب العمال الكردستاني إلى عقد مؤتمر عام، والتخلي عن العمل المسلح، وحلّ نفسه رسميًا. وفي خطوة مفصلية، أعلن الحزب في مايو من العام ذاته استجابته للدعوة، متعهدًا بإلقاء السلاح وإنهاء نشاطه المسلح، ما فتح الباب أمام مرحلة جديدة من النقاشات السياسية.
بين القومية والتسوية: تحول في خطاب باهتشلي
يمثل موقف باهتشلي تحولًا نوعيًا بالنظر إلى تاريخه كأحد أبرز رموز التيار القومي المتشدد في تركيا، وتحالفه الوثيق مع الرئيس رجب طيب أردوغان. وكان قد مهد لهذا الطرح منذ أكتوبر 2024، عندما دعا أوجلان إلى إصدار تعليمات بإنهاء العمل المسلح، ملمّحًا إلى أن ذلك قد يفتح الباب أمام تحسين وضعه القانوني، وربما الإفراج عنه.
هذا التحول لا يمكن فصله عن التوازنات السياسية الداخلية، حيث تلعب مسألة السلام الكردي دورًا في إعادة تشكيل التحالفات البرلمانية، خصوصًا في ظل الحاجة إلى دعم إضافي لتمرير تعديلات دستورية محتملة.
مطالب حزب الديمقراطية والمساواة للشعوب: أوجلان كمفاوض رئيسي
في موازاة ذلك، يدفع حزب الديمقراطية والمساواة للشعوب (DEM) باتجاه الاعتراف القانوني بأوجلان كـ”مفاوض رئيسي”، مع توفير بيئة تتيح له التواصل المباشر مع مختلف الأطراف، بما في ذلك تنظيمه. وقد شددت القيادية تولاي حاتم أوغولاري على ضرورة تنظيم وضعه قانونيًا كشرط لتحقيق سلام دائم.
وشهدت الأشهر الأخيرة سلسلة لقاءات بين وفود الحزب وأوجلان في سجنه بإمرالي، ضمن مساعٍ لتفعيل دوره في المرحلة الجديدة من العملية السياسية.
الإطار القانوني الغامض: بين “الحق في الأمل” والحسابات السياسية
رغم التقدم السياسي، لا يزال الإطار القانوني للعملية غير مكتمل. فقد أعدت لجنة برلمانية خاصة تقريرًا يتضمن مقترحات إصلاحية، إلا أنه تجنب الإشارة الصريحة إلى إمكانية الإفراج عن أوجلان أو تبني مبدأ “الحق في الأمل”.
ومع ذلك، أشار التقرير إلى أحكام المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان والمحكمة الدستورية التركية بشأن تنفيذ العقوبات، وهو ما يراه خبراء تلميحًا غير مباشر إلى ضرورة توفير أفق قانوني للإفراج عن السجناء المؤبدين بعد فترة زمنية معينة.
غير أن اللجنة تفتقر إلى صلاحيات تنفيذية أو آليات رقابة مستقلة، ما يجعل مخرجاتها رهينة الإرادة السياسية، خصوصًا في ظل ارتباط الملف بحسابات أردوغان المتعلقة بتمديد بقائه في السلطة بعد 2028.
إرث الصراع وتعقيدات الحاضر
تأسس حزب العمال الكردستاني عام 1978 بقيادة أوجلان، وبدأ تمرده المسلح ضد الدولة التركية عام 1984، ما أدى إلى مقتل أكثر من 40 ألف شخص. وشهدت الفترة بين 2013 و2015 محاولة جدية للتسوية، لعب فيها أوجلان دور الوسيط من داخل سجنه، قبل أن تنهار العملية مع تجدد العنف.
اليوم، ومع إعلان الحزب حلّ نفسه، وعودة النقاشات السياسية، تبدو تركيا أمام فرصة تاريخية لإعادة صياغة العلاقة مع المسألة الكردية، لكن هذه الفرصة لا تزال محفوفة بتحديات قانونية وسياسية عميقة.
بين الواقعية السياسية وإعادة هندسة الدولة
يعكس طرح باهتشلي إدراكًا متزايدًا بأن الحل الأمني لم يعد كافيًا، وأن إدماج الفاعلين الرئيسيين في إطار سياسي منظم قد يكون السبيل الوحيد لتحقيق استقرار دائم. كما يشير إلى محاولة لإعادة هندسة الدولة التركية بما يستوعب التعددية القومية ضمن نظام مركزي مضبوط.
في المقابل، يثير هذا التوجه مخاوف من توظيف العملية لخدمة أجندات سياسية ضيقة، خاصة في ظل غياب ضمانات قانونية واضحة واستقلالية مؤسساتية حقيقية.

