دخلت الساحة السياسية التركية مرحلة جديدة من الاستقطاب بعد المقترح الذي أطلقه دولت باهتشلي، زعيم حزب الحركة القومية، بشأن منح عبد الله أوجلان، زعيم حزب العمال الكردستاني، دورًا رسميًا ضمن عملية السلام الجارية حاليا، في خطوة أعادت ملف التسوية الكردية إلى قلب الجدل السياسي والقانوني في البلاد.
المقترح الذي حمل عنوان “منسق عملية السلام والانتقال إلى السياسة” فتح بابًا واسعًا للنقاش بين القوى السياسية، حيث انقسمت المواقف بين داعمين يرون فيه فرصة تاريخية لإنهاء الصراع الممتد منذ أربعة عقود، ومعارضين اعتبروه تجاوزًا خطيرًا للثوابت القانونية والسياسية للدولة التركية.
باهتشلي يطرح صيغة جديدة لدور أوجلان
خلال اجتماع الكتلة البرلمانية لحزب الحركة القومية، أعلن دولت باهتشلي أن وضع عبد الله أوجلان “لم يعد من الممكن تجاهله”، داعيًا إلى منحه صفة رسمية ضمن العملية السياسية الجارية، عبر تعيينه “منسقًا لعملية السلام والانتقال إلى السياسة”.
وجاء تصريح باهتشلي باعتباره أكثر المواقف وضوحًا منذ بدء الحديث مجددًا عن تسوية محتملة مع حزب العمال الكردستاني، خاصة أن الرجل يُعد أحد أبرز رموز القومية التركية المتشددة، والحليف السياسي الأقرب للرئيس رجب طيب أردوغان.
ويحمل هذا الطرح دلالات سياسية عميقة، إذ يشير إلى انتقال الخطاب الرسمي من مقاربة أمنية بحتة إلى محاولة تأسيس إطار سياسي وقانوني لإدارة الملف الكردي.
حزب “الديمقراطية والمساواة” يرحب: “لحظة تاريخية”
لقي المقترح ترحيبًا مباشرًا من حزب الديمقراطية والمساواة للشعوب (DEM)، المحسوب على التيار الكردي، حيث وصف الرئيس المشارك للحزب تونجر باكيرهان تصريحات باهتشلي بأنها “تاريخية”.
وأكد باكيرهان أن حزبه يدعم الإطار الذي طرحه زعيم الحركة القومية فيما يتعلق بالوضع القانوني لأوجلان والخطوات التشريعية المطلوبة، معتبرًا أن عملية السلام لم تعد تحتمل المزيد من التأجيل.
وشدد على أن نجاح أي تسوية يتطلب شجاعة سياسية وإرادة حقيقية من البرلمان لوضع العملية ضمن إطار قانوني واضح، موجّهًا رسالة مباشرة إلى أردوغان قال فيها إن “التاريخ يكتبه أصحاب الجرأة”، داعيًا الرئيس التركي إلى “كتابة التاريخ” عبر استكمال العملية السياسية.
المعارضة القومية والمحافظة: رفض وغضب وتحذيرات
في المقابل، واجه المقترح موجة رفض قوية من الأحزاب القومية والمحافظة، التي اعتبرت منح أوجلان أي صفة رسمية خطوة تمس أسس الدولة والقانون.
وكان حزب “الجيد” القومي المعارض الأكثر حدة في موقفه، إذ وصف زعيمه مساوات درويش أوغلو المقترح بأنه “جنون سياسي”، متسائلًا عن الكيفية القانونية التي يمكن من خلالها منح شخص يقضي حكمًا بالسجن المؤبد صلاحيات رسمية داخل الدولة.
وقال درويش أوغلو إن ما يجري “يجعل تركيا موضع سخرية”، داعيًا الحكومة إلى التراجع عن هذا المسار.
أما أوميت أوزداغ، زعيم حزب “النصر” المعروف بخطابه القومي المتشدد والمعادي للاجئين، فاعتبر أن المقترح نتيجة “مفاوضات مباشرة” مع حزب العمال الكردستاني، محذرًا من أن الأمن القومي لا يمكن ضمانه عبر هذه الترتيبات السياسية.
ودعا أوزداغ أنصاره إلى الاصطفاف ضد العملية الحالية دفاعًا عن “الدولة القومية الموحدة والعلمانية”.
حزب الرفاه الجديد يطالب باستفتاء شعبي
من جهته، اتخذ حزب “الرفاه الجديد” الإسلامي موقفًا أكثر تحفظًا، حيث دعا زعيمه فاتح أربكان إلى إجراء استفتاء شعبي بشأن القضية، معتبرًا أن الملف تجاوز حدود التصريحات السياسية وأصبح قضية مصيرية تتعلق بمستقبل الدولة.
وأكد أربكان أن حزبه يؤيد هدف “تركيا خالية من الإرهاب”، لكنه يرفض اختزال العملية في الإفراج عن أوجلان أو دمجه في الحياة السياسية.
وأشار إلى أن تصريحات باهتشلي كشفت بوضوح الوجهة النهائية للمشروع السياسي الجاري.
حزب الشعب الجمهوري: دعم مشروط وحذر سياسي
أما حزب الشعب الجمهوري، أكبر أحزاب المعارضة، فقد تبنى موقفًا أكثر حذرًا، مؤكدًا دعمه لأي خطوات تساهم في تحقيق السلام وتعزيز الديمقراطية، دون الانخراط المباشر في تأييد مقترح منح أوجلان دورًا رسميًا.
ودعا نائب رئيس الكتلة البرلمانية للحزب مراد أمير إلى عدم تجاهل نتائج اللجنة البرلمانية المعنية بعملية السلام، مشددًا على ضرورة تحرك البرلمان بشكل جماعي بدل ترك التقارير “على الرفوف”.
هذا الموقف يعكس محاولة الحزب الحفاظ على توازن حساس بين دعم الحل السياسي وعدم خسارة قاعدته القومية.
أوجلان مجددًا في قلب المعادلة السياسية
يقبع عبد الله أوجلان، البالغ من العمر 77 عامًا، في سجن جزيرة إمرالي منذ اعتقاله عام 1999، حيث يقضي حكمًا بالسجن المؤبد. ورغم ذلك، ظل عنصرًا محوريًا في جميع محاولات التسوية بين الدولة التركية وحزب العمال الكردستاني.
وفي فبراير 2025، وجّه أوجلان دعوة غير مسبوقة إلى الحزب لعقد مؤتمر عام والتخلي عن السلاح وحلّ نفسه رسميًا، وهو ما تبعه إعلان الحزب في مايو 2025 استعداده لإلقاء السلاح وإنهاء نشاطه المسلح.
هذه التطورات أعادت أوجلان إلى صدارة المشهد السياسي، ليس فقط كرمز تاريخي، بل كفاعل محتمل في أي تسوية مستقبلية.
خلفية تاريخية: من عملية السلام الكردي إلى الانهيار
سبق لتركيا أن خاضت تجربة تفاوضية مع حزب العمال الكردستاني بين عامي 2013 و2015، لعب خلالها أوجلان دور الوسيط من داخل سجنه، عبر رسائل تدعو إلى وقف إطلاق النار والتفاوض.
لكن العملية انهارت لاحقًا مع تجدد المواجهات المسلحة، ما أدى إلى تصعيد العمليات العسكرية وشن حملة واسعة ضد الأحزاب والشخصيات الكردية.
ومنذ ذلك الحين، بقي ملف التسوية مجمدًا إلى أن عاد إلى الواجهة تدريجيًا مع التحولات السياسية والأمنية الأخيرة.
هل تعيد أنقرة صياغة المسألة الكردية؟
تكشف تصريحات باهتشلي عن تحوّل استراتيجي داخل أوساط السلطة التركية، إذ يبدو أن الدولة بدأت تدرك محدودية المقاربة الأمنية في إنهاء الصراع الكردي.
كما أن الطرح الجديد يعكس محاولة لإعادة إدارة الملف ضمن صيغة سياسية مضبوطة قانونيًا، بما يسمح باحتواء الأزمة دون تقديم تنازلات مباشرة تتعلق ببنية الدولة.
في المقابل، يثير المقترح مخاوف واسعة لدى التيارات القومية، التي ترى فيه تمهيدًا لمنح شرعية سياسية لشخصية تعتبرها مسؤولة عن عقود من العنف.
وتبقى المسألة مرتبطة أيضًا بحسابات داخلية أوسع، تشمل مستقبل النظام السياسي التركي، والحاجة إلى تفاهمات جديدة تضمن الاستقرار السياسي في مرحلة ما بعد 2028.
الخلاصة
أعاد مقترح دولت باهتشلي بشأن منح عبد الله أوجلان دورًا رسميًا في عملية السلام رسم حدود الانقسام السياسي في تركيا بين دعاة التسوية وأنصار المقاربة الأمنية. وبين الترحيب الكردي والرفض القومي، تبدو أنقرة أمام مرحلة حساسة قد تعيد تشكيل العلاقة بين الدولة والقضية الكردية.

