بقلم: ياوز أجار
تشهد الساحة القضائية والسياسية في تركيا مخاضاً جديداً يعيد قراءة أحداث الخامس عشر من يوليو ٢٠١٦ من زوايا لم تكن متاحة من قبل، حيث برزت معطيات جنائية ووثائق أممية تضع الرواية الرسمية التي بُنيت عليها أحكام الإدانة المشددة في مهب الريح. هذه التطورات لا تقتصر على كونها تفاصيل تقنية، بل تمتد لتكشف عن فجوات عميقة في مسار العدالة الذي أعقب تلك الليلة الصاخبة، مشيرة إلى احتمال وجود “صندوق أسود” من الأدلة التي تم تغييبها عمداً عن منصات القضاء.
تهاوي الركائز الباليستية: أسلحة “مفقودة” في سجلات الحاضر
لطالما استند الادعاء التركي في قضية “السقف” أو ملف “القيادة العامة” برئاسة الأركان إلى فرضية ضياع الأسلحة المستخدمة في إطلاق النار، مما حال دون إجراء فحوصات باليستية حاسمة. غير أن التفاصيل التي تكشفت مؤخراً أمام محكمة الجنايات الثقيلة السابعة عشرة في أنقرة تثبت عكس ذلك تماماً؛ إذ تبيّن أن هذه الأسلحة لم تكن مفقودة، بل جُمعت وفُحصت جنائياً في نوفمبر ٢٠١٦، أي بعد أربعة أشهر فقط من الأحداث.
ووفقاً للمعطيات المسربة من أروقة المحاكم، فإن الفحوصات الجنائية التي أُجريت على ٤١ قطعة سلاح كانت بحوزة ٥٢ عسكرياً داخل مقر الأركان، أثبتت بشكل قاطع عدم إطلاق النار من أي منها. هذا الكشف ينسف الأساس القانوني لاتهامات القتل والشروع فيه التي طالت عشرات الضباط، ويطرح تساؤلات أخلاقية وقانونية حول سبب إخفاء هذه التقارير عن الدفاع والمحكمة طوال عقد من الزمان.
مراد كوركماز: عقد من الاستغاثة لانتزاع الحقيقة
تتجسد مأساة غياب الشفافية في قصة العقيد السابق مراد كوركماز، الذي ظل يطالب منذ لحظة توقيفه بفحص بندقيته من طراز “M4” ٨، ٩. ورغم تقديمه للأرقام التسلسلية منذ الأيام الأولى، كانت الإجابات الرسمية تأتي دوماً بالنفي بدعوى “عدم العثور على السلاح”.
ولم تظهر الحقيقة إلا في عام ٢٠٢٣ خلال قضية جانبية، حيث أكدت السجلات أن السلاح كان مودعاً لدى السلطات ومفحوصاً منذ نوفمبر ٢٠١٦. ولم يقتصر الأمر على ذلك، بل تبيّن أن بعض الأسلحة التي ادعت الحكومة فقدانها لرفع دعاوى تعويض مالي كانت مسجلة وموجودة في مخازنها، مما يشير إلى نمط من التضليل الممنهج لإحكام قبضة الإدانة.
الأمم المتحدة تكسر الصمت: تبرئة “المدبر المزعوم“
في تحول دراماتيكي على الصعيد الدولي، كانت مجموعة العمل المعنية بالاحتجاز التعسفي التابعة للأمم المتحدة أصدرت في فبراير ٢٠٢٥ قراراً أدانت فيه تركيا بشدة في قضية الجنرال أكين أوزتورك، القائد السابق للقوات الجوية. المجموعة الأممية خلصت إلى أن احتجاز أوزتورك، الذي وُصف بـ “العقل المدبر للانقلاب”، كان تعسفياً ويفتقر لأي أساس قانوني سليم.
وأكد التقرير الأممي أن أوزتورك تعرض لانتهاكات صارخة، شملت التعذيب الجسدي (كالضرب المبرح وصب الحمض تحت الأظافر) لانتزاع اعترافات قسرية، فضلاً عن غياب أدنى ضمانات المحاكمة العادلة. والأهم من ذلك، أشار التقرير إلى معطيات تؤكد أن أوزتورك حاول في الواقع إيقاف التحركات العسكرية ليلة ١٥ يوليو بعد سماعه بالهجوم على مقر الأركان، مما يقلب الطاولة على رواية “المدبر” التي روجت لها السلطات.
المحرك الجيوسياسي: الانقلاب كبوابة للتوغل في سوريا
تذهب التحليلات العميقة إلى ما وراء الحدث الأمني لتربط بين تصفية جنرالات النخبة وبين طموحات الحكومة الإقليمية. فقد كان الجنرال أوزتورك وغيره من القادة “الكماليين” يعارضون بشدة الدخول في “مغامرة” عسكرية في سوريا دون غطاء أممي، محذرين من أن ذلك قد يؤدي لتقسيم البلاد.
ويعزز هذا الطرح اعترافات سابقة لأحمد داود أوغلو، الذي أشار إلى أن معارضة ضباط كبار كانت العائق الأساسي أمام التدخل العسكري المخطط له قبل ٢٠١٦. وبمجرد إزاحة هؤلاء القادة تحت لافتة “الانقلاب”، بدأ الجيش التركي عملياته الواسعة في الشمال السوري تحت قيادة خلوصي أكار، مما يعزز فرضية “الراية المزيفة” (False Flag) التي تتبناها حركة الخدمة، معتبرة أن الأحداث كانت عملية استخباراتية لخلق مسوغ قانوني وشعبي لتصفية المعارضين للمشاريع العسكرية الخارجية.
التبعات الحقوقية والمسار الأوروبي المأزوم
لم تكن الإجراءات التي تلت ١٥ يوليو مجرد رد فعل أمني، بل تحولت إلى عملية تطهير شاملة طالت أكثر من ١٣٠ ألف موظف حكومي و٧٠٠ ألف شخص خضعوا لتحقيقات بتهم الإرهاب. هذا النطاق الواسع أدى إلى صدور أحكام مدوية من المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، التي أدانت تركيا لانتهاكها مبدأ “لا جريمة دون نص قانوني” واستخدامها التعذيب وسوء المعاملة.
وتضع هذه الإدانات الدولية، سواء من جنيف أو ستراسبورغ، النظام القضائي التركي في مأزق تاريخي، حيث بات مطالباً بإعادة النظر في آلاف الملفات التي بُنيت على أدلة مشكوك في صحتها أو انتُزعت تحت وطأة الترهيب، مما يفتح الباب أمام مراجعة صامتة أو صاخبة لشرعية الحقبة التي أعقبت الانقلاب.
الخلاصة
تؤكد التقارير الباليستية المخفية والقرارات الأممية الأخيرة تهاوي المرتكزات المادية لرواية انقلاب ٢٠١٦، مما يرجح فرضية استخدام الحدث كغطاء لتصفية المعارضة العسكرية والسياسية والمدنية وتمرير أجندات إقليمية عابرة للحدود.

