عادت قضية مواجهة الطرق والجماعات الدينية في تركيا إلى واجهة السجال السياسي مجدداً، إثر تصريحات حازمة أطلقها زعيم “حزب الوطن” اليساري القومي، دوغو برينجك، شدد فيها على حتمية ما وصفه بـ “تطهير” البلاد من هذه الكيانات، معتبراً أن عجلة هذا التحول قد دارت بالفعل ولا يمكن لأي قوة إيقافها.
يذكر أن برينجك كان من بين الذين اعتقلوا في إطار قضية تنظيم أرغنيكون، المعروف باسم “الدولة العميقة” إعلاميا، لكنه خرج من السجن مع جميع أعضاء التنظيم الآخرين في عام ٢٠١٤، بعد اتفاق جرى بينهم وبين رئيس الحكومة رجب طيب أردوغان، وأصبح برينجك بعد ذلك حليفا لأردوغان من خارج الحكومة.
امتداد لنهج تاريخي ووعيد متجدد
تأتي هذه المواقف كحلقة جديدة في سلسلة من التهديدات المماثلة التي دأب برينجك على توجيهها لهذه الجماعات بصفة دورية، وهي مواقف ارتبطت بمسيرته السياسية بشكل وثيق منذ خروجه من السجن عام 2014، حيث قال آنذاك: “خرجنا من السجن كسيوف مسلولة، وسنقوم باجتثاث كل الجماعات الإسلامية من جذورها”، على حد قوله. وينطلق هذا الطرح من رؤية جذرية ترى أن الدولة التركية الحديثة يجب ألا تقوم على علاقات الولاء التقليدية التي تربط بين “المريد والشيخ”.
وفي تصريحاته الأخيرة، جدد برينجك التأكيد على أن تركيا لن تكون ساحة لنفوذ “الشيوخ والدراويش والمريدين والأتباع”، متوقعاً زوال هذه الأنماط من العلاقات الاجتماعية والسياسية بالكامل. ولم يتردد الزعيم اليساري القومي في وصف هذه الإجراءات بأنها امتداد مباشر وتطبيق أمين لبرنامج الثورة الأتاتوركية التي أرست دعائم الجمهورية التركية الحديثة.
تحديد الأهداف واستراتيجية التأميم
لم تقتصر مواقف برينجك على الجوانب النظرية العامة، بل حملت طابعاً تشخيصياً لافتاً عبر تسمية كيانات دينية محددة تنشط على الساحة التركية؛ حيث خص بالذكر كلاً من جماعة “السليمانيين” والحركة المرتبطة بالشيخ ألب أرسلان كويتون، الجماعتين التين واجهت في الآونة الأخيرة عمليات أمنية انتهت باعتقال زعيمي الجماعتين، إلى جانب عشرات من أتباعهما.
وتشير القراءة الموضوعية لطروحات “حزب الوطن” إلى رغبة في الانتقال من مرحلة التضييق الأيديولوجي إلى خطوات إجرائية ملموسة على الأرض؛ إذ طالب برينجك بإخضاع الممتلكات الخدمية التابعة لهذه الكيانات للسيطرة المباشرة للدولة، داعياً على وجه الخصوص إلى تحويل ملكية السكنات الطلابية (المبيت) التابعة للجماعات الدينية إلى ملكية عامة تديرها المؤسسات الحكومية.
أبعاد الصراع وسياقه السياسي
يرى مراقبون للشأن التركي أن هذه التصريحات تعكس عمق الانقسام الفكري المستمر في البلاد حول دور الدين في الفضاء العام والتعليم. وعلى الرغم من أن “حزب الوطن” لا يتمتع بتمثيل برلماني واسع، إلا أن مواقف زعيمه برينجك غالباً ما يُنظر إليها باعتبارها صدى لتيارات علمانية وقومية تقليدية داخل أجهزة الدولة، تجد في إرث مصطفى كمال أتاتورك مرجعية دستورية وقانونية صارمة لتبرير تفكيك شبكات النفوذ الديني غير الرسمية.
ويأتي التركيز على السكنات الطلابية التابعة للجمعيات الدينية كعنوان لمعركة السيطرة على العقول الشابة؛ إذ تمثل هذه المرافق تاريخياً أحد أهم روافد الاستقطاب وتجنيد الأتباع الجدد لصالح الجماعات والطرق الصوفية، وهو ما يفسر مطالبة التيارات القومية والعلمانية بتأميمها وإخضاعها لرقابة وزارة التعليم أو الهيئات الحكومية المعنية لضمان حيادها الأيديولوجي.
كما أن الحكومة تحت رئاسة أردوغان تسعى إلى جمع كل الجماعات الإسلامية تحت لوائها، وتضيق الدائرة على الجماعات تفضل البقاء محايدة.

