يؤكد المحلل السياسي التركي المتخصص في شؤون آسيا الوسطى وروسيا كريم خاص أن العلاقات بين أنقرة وباكو تشهد أزمة مكتومة وتصعيداً غير مسبوق تجاوز حدود الخلافات العابرة ليلامس عمق الشراكة الاستراتيجية ومبادئ الهوية المتبادلة.
ويرى خاص أن التحولات المتسارعة في الخطاب الإعلامي والسياسي لكلا الطرفين تعكس تحولاً عميقاً من مفاهيم التضامن الإستراتيجي التقليدي إلى مواجهة صريحة حول حدود النفوذ، وإدارة الشؤون الداخلية، والسيادة المستقلة.
العوامل المباشرة للاشتعال: محطات الدبلوماسية الغائبة والمواقف المحرجة
يوضح المحلل السياسي كريم خاص أن شلال التوتر القائم انطلق بشكل ملموس إثر قرار الرئيس التركي رجب طيب أردوغان عدم المشاركة الشخصية في قمة “التفاعل وإجراءات بناء الثقة في آسيا” (سيكا) المنعقدة في باكو، مكتفياً بإيفاد وزير خارجيته هاكان فيدان، استنادا إلى تقرير نشره موقع ميديل إيست آي ذي صلة قريبة مع دوائر السلطة في تركيا.
ويعزو خاص غياب أردوغان إلى رفضه التواجد في محفل يضم رئيس الكيان الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ، إلا أن هذا الاعتذار اعتبره الرئيس الأذربيجاني إلهام علييف خطوة غير مبررة وسوء تقدير لطبيعة القمة التاريخية الأكبر في تاريخ أذربيجان، ومساساً مباشراً بالاعتبار الرئاسي للبلد المضيف.
انسحاب الوفد التركي والانسداد الدبلوماسي
ويرى المحلل كريم خاص أن سلوك وزير الخارجية التركي هاكان فيدان خلال القمة زاد من تعقيد الموقف، ولا سيما عقب انسحابه المباشر مع الوفد التركي من القاعة فور بدء كلمة الرئيس الإسرائيلي.
ويبين خاص أن هذه الخطوة، وإن جرى تسويقها في أنقرة كترجمة لموقف مبدئي، أربكت الجانب الأذربيجاني ووضعت باكو في موقف محرج أمام وفود ثماني وعشرين دولة مشاركة، حيث تبع الوفد التركي وفود أقاليم ودول أخرى مما تسبب في مغادرة نحو نصف الحاضرين للقاعة.
وبحسب خاص، اعتبرت باكو هذا التصرف استعراضاً إعلامياً يفتقر إلى النجاعة الدبلوماسية، وخاصة في ظل استمرار استيراد النفط والروابط التجارية الشاملة.
صراع النفوذ والهوية: اتهامات التدخل وحملات الإعلام المتبادلة
يشير المحلل السياسي المتخصص في الشؤون الروسية والآسيوية كريم خاص إلى أن الخلاف تجاوز الأطر الدبلوماسية ليتحول إلى سجال حول الهوية المجتمعية والسياسية. فقد فجرت الأنباء المتعلقة بحظر الحجاب في المدارس الأذربيجانية موجة انتقادات تركية حادة، أعقبها هجوم إعلامي أذربيجاني مضاد يستهدف تحركات المؤسسات التركية في باكو.
وينوه خاص بأن وسائل الإعلام القريبة من الرئاسة الأذربيجانية بدأت بتوجيه اتهامات صريحة لجهاز الاستخبارات التركي ومؤسسات رسمية وأهلية مثل “تيكا” وهيئة الإغاثة الإنسانة (IHH) ووقف المعارف ووقف عزيز محمود هوداي، بمحاولة تصدير نموذج “الإسلام السياسي” والتدخل في الشؤون الداخلية لأذربيجان.
إعادة قراءة التاريخ ورفض التبعية
ويلفت كريم خاص الانتباه إلى أن الحملات الإعلامية الأذربيجانية ذهبت إلى أبعاد تاريخية بعيدة عبر نبش أرشيف العهد العثماني واتهام أنقرة بممارسة سياسات “العثمانية الجديدة”، والتعامل مع باكو كدولة تابعة ومجرد مدى حيوي لنفوذها وليس كشريك مساوٍ.
ويؤكد خاص أن دوائر القرار في باكو تعمدت الترويج لمفهوم جديد مفاده أن الصيغة القائمة يجب أن تترجم عملياً كـ “شعب واحد ودولتان مستقلتان تماماً”، معتبرة أن هذه الأزمة كانت ضرورية لتصحيح المفاهيم وتحديد قواعد التعامل الندّي بين الطرفين.
المطالبة الأذربيجانية بإقالة المستشارين وتقييد الحسابات
يكشف المحلل السياسي كريم خاص عن مطالبات حازمة تقدم بها الرئيس الأذربيجاني إلهام علييف للرئيس التركي رجب طيب أردوغان، تضمنت المطالبة الصريحة بإقالة كبير مستشاري الرئاسة التركية أوكتاي سارال.
وجاء هذا المطلب على خلفية التغريدات التي نشرها سارال وانتقد فيها سياسات باكو بشأن الحجاب واعتبرها مساساً بالحريات، وهو ما اعتبرته أذربيجان تدخلاً سافراً في شؤونها الداخلية.
كما يذكر خاص أن باكو قدمت قائمة بأسماء شخصيات إعلامية وحسابات داعمة للحكومة التركية تقتضي إغلاقها وملاحقتها قانونياً بتهمة الإساءة والتحريض ضد النظام الأذربيجاني.
الملاحقة الدولية وصدور مذكرات القبض
وفي خطوة قضائية غير مسبوقة، يبرز كريم خاص إصدار النيابة العامة الأذربيجانية مذكرات توقيف دولية وقرارات غيابية بالقبض على سبعة مواطنين وإعلاميين أتراك.
وتضم القائمة أسماء بارزة ذات صلة عميقة مع نظام أردوغان من بينها فاتح تيزجان، ورضوان كايا، وعبد الله إمام أوغلو، وزكريا سيران، وأحمد شانلي، وفخر الدين طاشكايا، وعبد الرحمن تومر، وألب أصلان تانروكولو.
وتوجه السلطات الأذربيجانية لهذه الشخصيات اتهامات تتعلق بالمشاركة في الدعوة للإطاحة بنظام الحكم، ونشر مواد تحرض على الكراهية الدينية، ودعم مخططات تمس بالأمن القومي.
المداراة التركية ومحاولات الاستيعاب
يرصد المحلل السياسي كريم خاص حالة من الحذر والارتباك في تعاطي أنقرة مع هذه المطالب التصعيدية؛ إذ اكتفى الجانب التركي بحجب الوصول المحلي لبعض الحسابات الرقمية دون اتخاذ خطوات قضائية زجرية أو الاستجابة لطلب إقالة سارال حتى الآن.
كما يشير خاص إلى امتناع أردوغان عن إجراء الاتصال الهاتفي التقليدي بعلييف بمناسبة يوم الاستقلال الأذربيجاني، مكتفياً بتهنئة مقتضبة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، في إشارة تعكس عمق الانزعاج في أروقة الرئاسة التركية.
قمة منظمة الدول التركية واختبار آفاق المستقبل
ويرى كريم خاص أن الاختبار الحقيقي لمدى عمق هذه الأزمة وتداعياتها المستقبلية يتجلى في قمة “منظمة الدول التركية” المترقبة في أنقرة، والتي من المقرر أن تتسلم فيها أذربيجان الرئاسة الدورية. ويرى خاص أن احتمال غياب علييف عن القمة أو تخفيض مستوى التمثيل الأذربيجاني سيمثل مؤشراً حاسماً على دخول العلاقات مرحلة الفتور الممتد.
وفي المقابل، تؤكد المصادر الرسمية التركية حرص أنقرة على احتواء التوتر وعدم السماح للأطراف الخارجية باستغلال الفجوة، مراهنة على متانة القواعد التاريخية المشتركة لتجاوز هذه المحنة.

