تشهد العلاقات الاقتصادية بين تركيا وسوريا تحولاً جذرياً متسارعاً يعكس السعي التركي الحثيث لترسيخ دورها التجاري والسياسي في جارتها الجنوبية عقب الإطاحة بنظام بشار الأسد في الثامن من ديسمبر/كانون الأول عام ٢٠٢٤.
وفي إطار هذا التوجه، كشفت البيانات الرسمية عن نمو قياسي في حركة التبادل التجاري الثنائي بنسبة بلغت اثنين وأربعين في المئة خلال العام الماضي، لتصل القيمة الإجمالية للتعاون التجاري إلى ثلاثة مليارات وسبعمئة وخمسين مليون دولار، مما يجعل من أنقرة الشريك التجاري الخارجي الأكبر لدمشق في مرحلة ما بعد الحرب.
حلب تستضيف منتدى إعمار جديد برعاية تركية
في خطوة تحمل دلالات رمزية واقتصادية بالغة، احتضنت مدينة حلب فعاليات “الطاولة المستديرة للأعمال” بمشاركة واسعة من المسؤولين وممثلي قطاعات الاستثمار من كلا البلدين. وجاء هذا الحدث بتنظيم مشترك ضم جهات محورية شملت:
- جمعية الصناعيين ورجال الأعمال المستقلين الأتراك (موصياد – فرع سوريا).
- مجلس الأعمال السوري التركي المشترك.
- هيئة الاستثمار السورية.
- مكتب محافظ حلب.
وتعكس هذه المشاركة الواسعة رغبة أنقرة في تمكين الشركات التركية من أخذ زمام المبادرة في مشروعات إعادة الإعمار، وتقديم الدعم لحكومة الرئيس السوري أحمد الشرع.
ويمثل حضور وزير التجارة التركي، عمر بولاط، إلى حلب حدثاً استثنائياً؛ إذ تعد هذه الزيارة الأولى له للمدينة منذ ما يزيد على عقدين من الزمن، وتحديداً منذ ديسمبر/كانون الأول من عام ألفين وأربعة، عندما زارها ضمن وفد رافق فيه رئيس الوزراء آنذاك والرئيس الحالي رجب طيب أردوغان.
تنسيق حكومي مكثف وخطط لفتح شرايين تجارية مغلقة
تسير خطط التعاون الاقتصادي بخطى متسارعة تدعمها تفاهمات سياسية رفيعة المستوى؛ حيث أشار بولاط إلى عقد ثلاثة لقاءات رسمية مع وزراء سوريين خلال الشهر الماضي وحده لمتابعة الملفات الاقتصادية العالقة. وتأتي هذه التحركات تنفيذاً لتوجيهات مباشرة من الرئيس التركي لتقديم أقصى درجات الدعم الممكن لتعافي الاقتصاد السوري ودفع عجلة الاستثمار وإعادة الإعمار.
وعلى الأرض، تترجم هذه التفاهمات عبر تعزيز المنافذ الحدودية:
- ستة معابر حدودية تعمل حالياً بكفاءة لتسهيل حركة البضائع بين البلدين.
- معبر القامشلي – نصيبين، الذي يربط شمال شرق سوريا بمحافظة ماردين التركية، يشهد جهوداً تأهيلية مكثفة؛ حيث تعهد الجانب السوري بإتمام التجهيزات الفنية لافتتاحه رسمياً قبل نهاية العام الجاري، بعد سنوات طويلة من الإغلاق بسبب الصراع، مما سيوفر شرياناً حيوياً جديداً للتجارة الإقليمية والمحلية.
طموحات تجارية تتجاوز الآفاق الحالية
لا تتوقف التطلعات المشتركة عند الأرقام الحالية؛ إذ كشف الجانب التركي خلال اجتماعات عقدت في العاصمة دمشق عن استهداف رفع سقف التبادل التجاري مع سوريا إلى خمسة مليارات دولار بحلول نهاية العام المقبل، مع السعي لبلوغ عتبة عشرة مليارات دولار على المدى المتوسط.
ويرى مراقبون أن هذا الحراك الاقتصادي المتنامي يتزامن مع خروج سوريا التدريجي من عزلتها الدولية الطويلة التي دامت قرابة أربعة عشر عاماً. ويأتي هذا الانفتاح مدفوعاً بقرارات سياسية دولية حاسمة أزالت العقبات القانونية والمالية؛ حيث رفعت الولايات المتحدة الأمريكية اسم سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب في الرابع والعشرين من أغسطس/آب من عام ألفين وستة وعشرين، مما يمهد الطريق لدمشق للاندماج مجدداً في المنظومة المالية العالمية. ويأتي هذا القرار مكملاً لخطوات واشنطن السابقة التي شملت إلغاء العقوبات الاقتصادية الشاملة في عام ألفين وخمسة وعشرين، وإبطال العمل بـ”قانون قيصر” في ديسمبر/كانون الأول من العام نفسه.

