شهدت تركيا موجة من النقاش الساخن عقب الانتقادات الحادة التي وجهها الرئيس الأسبق للبرلمان التركي، بولنت أرينج، لطريقة إدارة التحقيقات الجارية بحق جماعة “السليمانيين”.
أرينج الذي يعتبر رفيق درب أردوغان، وضع في آخر تصريحاته يده على مكامن الخلل في البنية الإجرائية للمؤسسة القضائية، محذراً من تحول آليات العدالة إلى أدوات للتشهير والوصم الاجتماعي غير القابل للمحو.
تقويض المبادئ الدستورية وقرينة البراءة
شدد أرينج على أن التحقيقات الحالية تشوبها تجاوزات صارخة تخالف بنود قانون الإجراءات الجنائية التركي، وتضرب في الصميم “قرينة البراءة“ التي تفترض سلامة موقف المتهم حتى تثبت إدانته بحكم قضائي بات. وأشار إلى ظاهرة خطيرة تتمثل في تسريب تفاصيل القضايا وتحويل المتهمين إلى مدانين في فضاءات التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام المقروءة والمرئية قبل صدور أي حكم، بل وقبل أن تقبل المحكمة لائحة الاتهام رسمياً، مما يمثل خرقاً صريحاً لمبدأ سرية التحقيقات القضائية. هذا النمط من التعاطي الإعلامي، بحسب رؤيته، يقود إلى “وصم أبدي“ يلاحق الأفراد ويدمر حياتهم الاجتماعية والمهنية دون خط رجعة.
قلب المنهجية القضائية.. من الاتهام إلى البحث عن الدليل
وفي تشريح منهجي لآليات التحقيق، أوضح أرينج أن المسار الطبيعي والقانوني لأي خصومة جنائية يوجب الانطلاق أولاً من “الدليل المادي“ للوصول إلى “هوية الجاني“ المفترض. بيد أن ما يحدث في التعاطي مع هذه القضية يعكس مقلوباً منهجياً خطيراً، حيث يتم تثبيت “الاتهام المسبق”، لتنطلق بعد ذلك رحلة البحث القسري عن أدلة تلائم هذا السيناريو المفترض.
ولم يقف الخلل الإجرائي عند هذا الحد، بل امتد ليتخذ أبعاداً ميدانية بالغة الحساسية؛ إذ انتقد أرينج لجوء جهات التحقيق إلى إجراءات استثنائية مثل “نبش القبور“ لتقصي الحقائق. واعتبر أن إقحام أفراد ومؤسسات غير مختصة في شؤون القانون والطب الشرعي للبحث عن جناة مفترضين جدد يمثل خروجاً غير مبرر عن الأطر المهنية والعلمية الصارمة التي تحكم مثل هذه الإجراءات القضائية الدقيقة.
الأبعاد السوسيولوجية وتجريم الكيانات الجماعية
ومن زاوية سوسيولوجية، دافع أرينج عن البنية الاجتماعية التقليدية لتركيا، مؤكداً أن الطرق الصوفية والجماعات الدينية تمثل ظواهر مجتمعية أصيلة ذات جذور تاريخية. وعبّر عن رفضه القاطع لاستغلال قضية جماعة “السليمانيين” كذريعة لشن حملة استهداف وتجريم جماعي تشمل كافة الجماعات والطرق الدينية في البلاد.
ومن واقع معرفته الطويلة بالجماعة، أكد أرينج أن أنشطتهم وممارساتهم تقع بالكامل ضمن النطاق التعليمي والتربوي لتدريس القرآن الكريم وتعاليمه. هذا الموقف يستند إلى عمق تاريخي من العلاقات؛ إذ كشف أرينج عن كواليس سياسية تعود إلى ما قبل الانتخابات البرلمانية لعام ٢٠١١، عندما التقى بالنائب السابق والقيادي الراحل في الجماعة، أحمد عارف دنيز أولغون، بغرض طلب الدعم السياسي والتأييد الانتخابي لصالح حزب العدالة والتنمية (AKP) آنذاك.
تحليل سياقي لتبعات المحاكمات الشعبية
إن هذا السلوك الإجرائي لا يقتصر ضرره على الأفراد المستهدفين فحسب، بل يمتد ليقوض الثقة الشعبية في المنظومة القضائية ككل. فعندما تتحول منصات الإعلام والشبكات الاجتماعية إلى “محاكم شعبية بديلة” تصدر صكوك الإدانة قبل القضاة، يفقد القانون سلطته الردعية والأخلاقية. إن غياب الضوابط الصارمة لحماية سرية التحقيقات يشرع الأبواب أمام تصفية الحسابات تحت غطاء قانوني، مما يحول الخصومات القضائية الفردية إلى صراعات مجتمعية عميقة تغذي الاستقطاب الداخلي وتضر بالسلم الأهلي، وفق ما جاء في تصريحات آرينج.

