سجلت تركيا تراجعاً جديداً في مؤشر حرية الصحافة العالمي لعام 2026، الصادر عن منظمة “مراسلون بلا حدود”، لتستقر في المرتبة 163 من بين 180 بلداً ومنطقة شملها التقييم.
وتكشف تفاصيل المؤشر عن تراجع أنقرة بأربعة مراكز مقارنة بالعام الماضي (2025)، حيث كانت تحتل المرتبة 159.
ولا يعكس هذا التراجع مجرد أرقام جافة، بل يؤشر على أزمة بنيوية عميقة تضع البيئة الإعلامية التركية تحت مقصلة الاحتكار الاقتصادي، والسيطرة السياسية، والملاحقات القضائية المستمرة.
خريطة التصنيف: أنقرة في ذيل القائمة وشمال أوروبا يتصدر
حصلت تركيا على معدل 27.94 نقطة، مما يضعها في النطاق الأكثر حرجاً وضيقاً للصحافة في العالم. وبموجب هذا التقييم، تجاور تركيا في ذيل القائمة دولاً من قبيل اليمن، وبيلاروس، وميانمار، وجيبوتي، ونيكاراغوا، ومصر، والبحرين، وأذربيجان، وروسيا. بينما تذيلت إريتريا القائمة تلتها كوريا الشمالية، والصين، وإيران، والمملكة العربية السعودية.
وفي المقابل، واصلت دول شمال أوروبا بسط سيطرتها على صدارة المؤشر بفضل بيئاتها القانونية الراسخة وتعدديتها الواسعة؛ إذ حافظت النرويج على المرتبة الأولى عالمياً برصيد 92.72 نقطة، تلتها هولندا برصيد 88.92 نقطة، ثم إستونيا في المرتبة الثالثة برصيد 88.54 نقطة، تليها الدانمرك، والسويد، وفنلندا. وتتميز هذه البيئات بضمانات قانونية حقيقية وتعددية تمنع تركيز الملكية الإعلامية.
حصار التعددية وهيمنة الخط الحكومي
تؤكد تقييمات منظمة “مراسلون بلا حدود” أن التعددية الإعلامية في تركيا تخضع لرقابة خانقة، حيث تشير التقديرات إلى أن نحو 90 في المئة من المؤسسات الإعلامية الوطنية باتت خاضعة لسيطرة الحكومة أو تدور في فلكها بشكل مباشر. وتلقي هذه الهيمنة بظلال من الشك على قدرة المواطن التركي على الحصول على تغطيات مستقلة ومتنوعة للأحداث السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
ومع ذلك، تواصل بعض المنابر المستقلة والقنوات الناقدة تقديم قراءات بديلة ومتابعات حيوية للشأن العام، من أبرزها قنوات “ناو تي في” (Now TV)، و”هالك تي في” (Halk TV)، و”تيلي 1″ (Tele1)، وصحيفة “سوزجو” (Sözcü)، فضلاً عن النسخ التركية لوسائل إعلام دولية رائدة مثل “بي بي سي”، و”دويتشه فيله”، و”صوت أمريكا”.
القوانين الفضفاضة كأدوات رقابة منهجية
تمثل المنظومة التشريعية التركية إحدى أبرز أدوات الضغط المنهجي على العمل الصحفي. وتلفت المنظمات المعنية بحرية التعبير إلى أن السلطات توظف ترسانة قانونية تشمل تهم “نشر معلومات مضللة”، و”إهانة الرئيس”، و”تحقير مؤسسات الدولة”، إضافة إلى تشريعات مكافحة الإرهاب، لتطويق الأقلام الحرة.
ويبرز في هذا السياق تطبيق المادة 217/أ من قانون العقوبات التركي، التي تجرم ما يوصف بـ “نشر معلومات مضللة للعامة علانية”، مما يحول تغطية القضايا الحساسة إلى مغامرة قضائية غير مأمونة العواقب. وتكتمل دائرة التضييق بفرض حجب واسع على مواقع الإنترنت وعرقلة منح بطاقات الصحافة الرسمية للمستقلين.
اعتقالات وملاحقات صيف 2026
شهد عام 2026 استمراراً لنهج ملاحقة الصحفيين واعتقالهم كأداة ردع أساسية. ففي مايو/أيار من هذا العام، دعت “مراسلون بلا حدود” إلى الإفراج الفوري عن الصحفيين أليكان أولوداغ، وميردان يانارداغ، وإسماعيل آري، محذرة من أن استمرار احتجازهم ينعكس سلباً على حرية التعبير ويخلق بيئة من الخوف والرقابة الذاتية.
واتخذت قضية ميردان يانارداغ، رئيس تحرير قناة “تيلي 1″، بعداً دراماتيكياً مع مطالبة الادعاء العام بعقوبة سجن مشددة بتهمة “التجسس السياسي” والسعي لمصادرة أصول القناة بالكامل، وهي خطوة لقيت استنكاراً دولياً واسعاً.
من جهتها، كشفت “لجنة حماية الصحفيين” (CPJ) في يوليو/تموز 2026، قبيل انعقاد قمة حلف شمال الأطلسي (الناتو)، عن توقيف واعتقال ما لا يقل عن 11 صحفياً وممارساً إعلامياً، مما يبرز تصاعد الإجراءات الأمنية الاستباقية ضد التغطيات الإعلامية المزامنة للأحداث الدبلوماسية الكبرى.
أبعاد هيكلية تتخطى أسوار السجون
يتضح من التحليلات المعمقة أن واقع حرية التعبير لا يقاس حصرياً بعدد الصحفيين المعتقلين، رغم أهمية هذا المؤشر. إذ تضع الجهات الدولية في اعتبارها محددات هيكلية تضمن سلامة البيئة المهنية ككل، ومنها:
- مدى استقلالية القرار التحريري عن التوجيه السياسي.
- القدرة الاقتصادية للمؤسسات الإعلامية على الصمود من دون دعم حكومي مشروط.
- مستوى الأمان المادي والجسدي الذي يتمتع به الصحفيون أثناء تأدية مهامهم في الميدان.
- غياب آليات الحجب والرقابة الرقمية على الفضاءات الافتراضية.
لذا، فإن بقاء تركيا في المرتبة 163 يعكس أزمة بنيوية مستمرة تتطلب إصلاحاً جذرياً للمنظومة الحاكمة لقطاع الإعلام. لكي تتمكن الصحافة من تأدية وظيفتها الأساسية في مراقبة السلطة ومحاسبة المؤسسات، يتعين توفير مناخ خالٍ من الخوف، والابتزاز المالي، والتسييس المفرط.
مشهد دولي يمر باختبار عسير
لا تنفصل أزمة الصحافة التركية عن سياق عالمي يعاني من تراجع جماعي هو الأسوأ منذ ربع قرن بحسب تصنيف عام 2026. وتشير “مراسلون بلا حدود” إلى أن الصحافة تواجه دولياً جبهات متعددة من الضغوط السياسية، والتردي الاقتصادي للمؤسسات، واستغلال قوانين مكافحة التضليل لتقويض المعارضة، فضلاً عن احتكار الشركات الكبرى لوسائل الإعلام والتهديدات الأمنية المتزايدة للصحفيين، مما يضع حرية التعبير في اختبار تاريخي حاسم.

