يرفض رئيس وزراء جمهورية شمال قبرص التركية، أونال أوستل، الشكوى الرسمية التي تقدمت بها جمهورية قبرص اليونانية إلى الأمم المتحدة احتجاجاً على مشروع مد خط أنابيب للغاز الطبيعي يربط الجزيرة المقسمة بالأراضي التركية.
وتأتي هذه التطورات لتسلط الضوء مجدداً على النزاع التاريخي المستمر حول السيادة والموارد الطبيعية في المنطقة، حيث تتداخل طموحات الطاقة مع الحسابات الجيوسياسية المعقدة للطرفين.
سجال دبلوماسي في أروقة الأمم المتحدة
بدأت الأزمة الدبلوماسية الراهنة بعد أن وجهت الممثلة الدائمة لجمهورية قبرص لدى الأمم المتحدة، ماريا ميخائيل، رسالة احتجاجية إلى الأمين العام للمنظمة، أنطونيو غوتيريش، تطالب فيها بتعميمها كوثيقة رسمية من وثائق الجمعية العامة للأمم المتحدة. وتضمنت الرسالة اعتراضاً صريحاً على مذكرة التفاهم التي وقعها نائب الرئيس التركي جودت يلماز مع رئيس وزراء شمال قبرص التركية أونال أوستل في العاشر من يوليو/تموز لتطوير خط أنابيب بحري للغاز الطبيعي.
وقدمت نيقوسيا حججاً قانونية تعتبر فيها هذه الاتفاقية “باطلة ولاغية” لكون الإدارة التركية في شمال الجزيرة تفتقر إلى الصفة القانونية الدولية لإبرام مثل هذه الاتفاقيات السيادية. واستند الاحتجاج القبرصي إلى قراري مجلس الأمن الدولي رقمي 541 و550، واللذين يقضيان ببطلان إعلان استقلال جمهورية شمال قبرص التركية من الناحية القانونية ويدعوان الدول إلى عدم الاعتراف بهذا الكيان. وتؤكد نيقوسيا أن المشروع يجري المضي فيه دون موافقتها، مما يشكل انتهاكاً مباشراً لسيادتها وحقوقها السيادية على أراضيها ومياهها الإقليمية ومنطقتها الاقتصادية الخالصة وجرفها القاري.
اتهامات متبادلة وازدواجية معايير
في المقابل، دافع رئيس وزراء قبرص التركية، أونال أوستل، بقوة عن الاتفاقية الموقعة مع أنقرة، معتبراً أن اعتراض نيقوسيا يعكس “ازدواجية معايير” واضحة في التعامل مع ملف الطاقة. وأشار أوستل إلى أن الحكومة القبرصية المعترف بها دولياً أبرمت العديد من الاتفاقيات البحرية والاقتصادية في منطقة شرق المتوسط دون إيلاء أي اعتبار لمصالح القبارصة الأتراك أو استشارتهم.
وأكد أوستل أن لجمهورية شمال قبرص التركية، المعترف بها فقط من قبل أنقرة، الحق الكامل في اتخاذ القرارات التي تخص تنميتها وضمان أمن طاقتها. كما شدد على أن الإدارة اليونانية في الجنوب لا تملك سلطة تحديد مجالات التعاون الاقتصادي والتنموي بين شمال الجزيرة وتركيا. وأوضح المسؤول القبرصي التركي أن هذه الاعتراضات الدبلوماسية لن تثني إدارته عن المضي قدماً في تنفيذ المشروع بالتعاون مع تركيا لحماية حقوق شعبها وتأمين مستقبله.
المواصفات التقنية والأبعاد الاقتصادية للمشروع
يتضمن المشروع، الذي أعلنت عنه وزارة الطاقة والموارد الطبيعية التركية، مد خط أنابيب يمتد لمسافة تبلغ نحو 101 كيلومتر (ما يعادل 63 ميلاً). وسينطلق الخط من منطقة أنامور التابعة لمحافظة مرسين في جنوب تركيا، ليصل إلى محطة “تيكنيجيك” لتوليد الكهرباء الواقعة بالقرب من كيرينيا في شمال قبرص.
وتشير التفاصيل الفنية إلى أن النظام سيتكون من خطين متوازيين بقطر 22 بوصة لكل منهما، حيث يمتد الجزء الأكبر من المشروع تحت مياه البحر بطول 97 كيلومتراً، بينما يمتد الجزء المتبقي بطول أربعة كيلومترات على اليابسة. ويتميز هذا النظام بتصميمه الثنائي الاتجاه، مما يتيح إمكانية نقل الغاز من تركيا إلى الجزيرة أو العكس وفقاً للاحتياجات الاقتصادية.
ووفقاً لتصريحات وزير الطاقة التركي، ألب أرسلان بيرقدار، فإن الغاز سيوجه في المرحلة الأولى لتوليد الطاقة الكهربائية بهدف تقليص اعتماد شمال قبرص على المشتقات النفطية المستوردة. كما ألمح بيرقدار إلى إمكانية استخدام هذا النظام الثنائي مستقبلاً لنقل الغاز المستخرج من حقول الجزيرة إلى تركيا ومنها إلى الأسواق الأوروبية.
القلق الأوروبي وتعميق الانقسام
أثارت احتمالية استخدام الخط لنقل الغاز المستخرج من المياه المحيطة بقبرص مخاوف إضافية لدى نيقوسيا، التي ترى في ذلك تهديداً مباشراً لحقوقها السيادية في مناطق التنقيب البحرية التي تطالب بها. وقد انتقل هذا الجدل الجيوسياسي إلى أروقة الاتحاد الأوروبي، حيث أطلعت قبرص وزراء خارجية دول الاتحاد على تفاصيل وتداعيات مشروع خط الأنابيب خلال اجتماع عُقد في الثالث عشر من يوليو/تموز.
وعقب هذا الاجتماع، أكدت مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، كايا كلاس، أن التكتل الأوروبي يتوقع من تركيا الاحترام الكامل لسيادة وحقوق جميع الدول الأعضاء في الاتحاد. وترى وزارة الخارجية القبرصية أن هذا الاتفاق يمثل حلقة جديدة في سلسلة المساعي التركية الرامية إلى تكريس تقسيم الجزيرة ودمج الشطر الشمالي بشكل أعمق مع الاقتصاد التركي. وفي سياق متصل، أشارت نيقوسيا في رسالتها للأمم المتحدة إلى الإعلان الملاحي التركي الصادر في 21 يوليو/تموز لنشر أربع سفن أبحاث لإجراء مسوحات أولية للمشروع، معتبرة ذلك دليلاً على إصرار أنقرة على المضي في مد الخط.
خلفية تاريخية وأفق مسدود
تعود جذور الأزمة السياسية في قبرص إلى عام 1974، عندما شهدت الجزيرة تدخلاً عسكرياً تركياً في أعقاب انقلاب عسكري مدعوم من المجلس العسكري الحاكم في اليونان آنذاك. ومنذ ذلك الحين، بقيت الجزيرة مقسمة عرقياً وجغرافياً بين جنوب تديره جمهورية قبرص المعترف بها دولياً والتي انضمت للاتحاد الأوروبي عام 2004، وشمال تقطنه أغلبية تركية أعلن استقلاله من طرف واحد عام 1983 تحت اسم “جمهورية شمال قبرص التركية” دون الحصول على اعتراف دولي باستثناء تركيا. وعلى مدار العقود الماضية، باءت جميع الجهود الدبلوماسية والمفاوضات التي رعتها الأمم المتحدة لإعادة توحيد الجزيرة بالفشل، مما يترك ملفات الطاقة الحيوية رهينة لجمود سياسي معقد.
تحليل المشهد الجيوسياسي: الطاقة كمحرك للصراع
تظهر المعطيات الراهنة أن ملف الطاقة في شرق المتوسط لم يعد مجرد مسألة تنموية واقتصادية، بل تحول إلى أداة أساسية في معركة الاعتراف الدولي والسيادة الإقليمية. فبينما تسعى تركيا عبر هذا المشروع إلى تعزيز نفوذها الاقتصادي والسياسي في الشطر الشمالي وربطه بشبكتها القومية للطاقة، تستخدم نيقوسيا شرعيتها الدولية وعضويتها في الاتحاد الأوروبي لحصار التحركات التركية قانونياً ودبلوماسياً.
إن الطبيعة “ثنائية الاتجاه” لخط الأنابيب المقترح تحمل في طياتها بعداً استراتيجياً يتجاوز مجرد سد احتياجات الشمال الكهربائية، ليطرح إمكانية تحول الشطر الشمالي إلى ممر لتصدير الغاز مستقبلاً، وهو ما يفسر حدة الاعتراض القبرصي ومسارعة نيقوسيا لتدويل القضية في الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي. وفي ظل غياب تسوية سياسية شاملة للملف القبرصي، يرجح أن يتحول مشروع خط الأنابيب إلى بؤرة توتر جديدة تعوق أي تقارب محتمل في المنطقة، مما يثبت أن غاز شرق المتوسط، بدلاً من أن يكون جسراً للسلام والتعاون الإقليمي، بات يعمق خنادق الانقسام التاريخي.

